هل "تنفجر" بين رئيس مجلس النواب نبيه برّي والرئيس المكلّف سعد الحريري على خلفية تشكيلة الحكومة المؤجّلة، وما حقيقة الأزمة المستجدّة بين الرجلين؟ وكيف آصبح موضوع قانون الانتخابات النيابية في صلب تأخير قيام مجلس الوزراء العتيد، ناسفا الجوّ التفاؤلي بحكومة سريعة الذي ساد منذ تكليف الحريري أوّل الشهر الجاري، وحاملا في طيّاته بوادر تصعيد مفاجئ بين الرؤساء الثلاثة وفي الساحة السياسية بصورة عامة؟
عوامل عديدة دخلت على خطّ التشكيل، قد يختصرها عنوان واحد هو الاستحقاق النيابي المقبل، الا أنّ أبعادها اكثر تشعّبا من الانتخابات نفسها، جزء منها مرتبط بمعطيات داخلية، والجزء الآخر يبدو ملتصقًا بما خلف الحدود.
وقول برّي بالأمس أنّ شبح قانون الستين هو المعرقل لمساعي تشكيل الحكومة، ان دلّ على شيء، فعلى أن لا حكومة قبل اتفاق رئاسي حول هذه النقطة تحديدًا. والمعروف أنّ رئيس المجلس ينادي بقانون جديد تكون للنسبية فيه حصة أساسية، بينما يُرجّح أن يفضّل الحريري أمرًا من اثنين: إما الإبقاء على قانون الستين، أو، وكما تقول بعض الجهات المتابعة للموضوع، تأجيل الانتخابات ريثما يستقيم وضعه السياسي والمالي على وقع عودته الى السرايا وإمساكه بزمام الحكم. وفي هذا الإطار، يتردّد بعض الكلام عن اتفاق قد أبرم بين الحريري والرئيس ميشال عون اثناء التشاور بينهما قبيل تبنّي رئيس تيار "المستقبل" ترشيح "الجنرال" للرئاسة، حول تأجيل الانتخابات سنة كاملة ريثما تستقيم الأمور في البلاد فيصار عندها الى إصدار قانون انتخابي ملائم للظروف من دون استعجال أو سلق هذه المسألة البالغة الأهمية، وهو كلام نفته الجهتان في حينه ما لم يمنع تداوله حتى الساعة في الأوساط السياسية المتابعة لملفّ الانتخابات النيابية.
وبحسب بعض هذه الأوساط، ما لا يريده الحريري إطلاقًا هو خوض المسار النيابي قبل استرجاع عافيته السياسية، وهو بالتالي لا مانع لديه بتأخير التشكيلة الحكومية لبعض الوقت ان اقتضى الأمر ذلك، إن كان ذلك يساعد على تجاوز مهلة التسعين يومًا لدعوة الهيئات الناخبة الى الانتخابات النيابية، فتؤجّل هذه الانتخابات تلقائيًا لاستحالة إجرائها خارج المهل الدستورية. ولا تستبعد هذه الأوساط أن يعمل الحريري عمدًا على حقيق هذا الهدف ولو بصورة غير مباشرة وبأعذار متنوعة، بدءًا من سفره، الى الأعياد المقبلة التي قد تؤخّر المشاورات، مرورًا بالعراقيل والألغام من هنا وهناك في مساعي التشكيل، ومن بعدها مشاورات قد تطول قبل التوافق على بيان وزاري، وصولا الى جلسة الثقة التي قد تستغرق أيامًا عديدة وسط مناقشات مستفيضة مرتقبة.
فهل يكون الحريري مساهمًا في تأخير ولادة حكومته بشكل مؤقت ولأسباب متعلّقة حصريًا بقانون الانتخابات النيابية، ما يفسّر كلام برّي في هذا الاتجاه، أم أنّ هذا الأخير هو المسؤول عن العرقلة كما لمّح اليه الحريري، وذلك لاعتبارات سياسية شخصية مرتبطة بنفوذه السياسي.
والمعروف عن رئيس المجلس حنكته السياسية ومهارته في المناورات الفعّالة الى درجة أنّه بات في السنوات الأخيرة أحد أبرز رجال السياسة في لبنان ان لم يكن أوّلهم. الا أنّ تطورات الآونة الأخيرة لم تكن جميعها لصالحه، بعدما "طُيّرت" طاولة الحوار التي كان عرّابها، وتمّ تجاوز مبدأ "السلّة" التي دعا اليها كمدخل لانتخاب رئيس الجمهورية.
لكن من يعرف برّي يعلم أنّ في جيب الرجل ألف ورقة وورقة يلعبها في الوقت المناسب، وهو لا يُهزم ولا يتراجع بسهولة، كما أنّه يدرك تماماً كيف ومتى يقفل عائدا الى الخندق الأساس ليلعب مجدّدا دوره فيه. وأولى خطوات برّي في الاتجاه السوري جاءت على لسانه منذ أكثر من عام، اثناء كلمة ألقاها في الذكرى السنوية ما قبل الأخيرة لغياب الامام موسى الصدر، حيث ذكر ولأول مرّة منذ فترة طويلة "سوريا الأسد" بعدما كان قد نأى بنفسه عن هذا التصنيف أقلّه في العلن، فرأى كثيرون في هذا التعبير إشارة واضحة من قبل رئيس المجلس بأنّه لا يزال حليفا للنظام وفي مقدّمة المعترفين به والمدافعين عنه.
ولكنّ هذا الكلام عن عرقلة برّي للانطلاقة الحكومية تحت عنوان استعادة مكانته المتقدمة على الساحة السياسية قد يخفي فعليا مناورة من قبل "حزب الله" والخط الايراني العريض، لإفشال الحريري من دون أن يتحمّل الحزب مباشرة، ومن خلفه ايران، عبء هذا الفشل، فتنأى حارة حريك بنفسها عن الموضوع، مكلّفة رسميا الحليف الشيعي بالتفاوض عنها في الشؤون الحكومية، ومثقلة هذا التفاوض بطلبات حكومية وفيتويات واعتبارات وحسابات تبلغها بين حين وآخر الى من يهمّه الأمر، فتعود الأمور الى مربّع الانطلاق كلما أوشكت صورة الحكومة أن تتبلور. فمن الإصرار على توزير فيصل كرامي وطلال أرسلان وأسعد حردان ومن ثمّ عبد الرحيم مراد، الى التصدّي لمطالبة "القوات اللبنانية" بحقيبة سيادية وبحصة وازنة اعتبرث "ثقيلة" في محيط الثنائي الشيعي لدرجة تسريب بعض التعليقات من قبل هذا الفريق بأنّه سوف يطالب بحصة حكومية تتناسب وتمثيله النيابي، على أساس أنّ حزب "القوات" الذي لديه 8 نواب يريد اربعة وزراء في الحكومة العتيدة، فكيف بالأحرى الفريق الشيعي ونوابه الـ 26، الى الإصرار على إيلاء رئيس تيار "المردة" سليمان فرنجية ليس فقط وزارة أساسية، بل الوزارة التي يختارها هو، الى غيرها من عناوين التباين والتأخير وصولا الى قانون الانتخاب، يبدو أنّ هنالك نية واضحة لعرقلة فعلية للحكومة.
وتأييدا لهذه النظرية، تقول مصادر مقرّبة من حارة حريك أنّ "حزب الله" قد أتمّ واجباته كاملة تجاه عون عندما أوصله الى سدّة الرئاسة، وهو بعد ذلك لم يعد لديه أيّ التزام يتمّممه تجاه أحد، لا بل أنّ الأمين العام لـ "حزب الله" السيد حسن نصرالله كان قد لفت في احدى كلماته إلى أنّه بعد الرئاسة، تعالج الأمور قطعة قطعة، بما معناه أن لا تعهّد مسبقا بـ"سيسرة" الأمور على أساس أنّ الرئيس الجديد حليف لـ"حزب الله". ولم يخفِ الحزب يوما أنّ المشكلة بالنسبة اليه لم تكن أبدا في وصول عون الى بعبدا بل في تولّي الحريري الرئاسة الثالثة في معادلة توصل الاثنين معا الى الحكم. أما وقد تمّت هذه المعادلة، فهنالك أمران على الأقلّ لن يتساهل بهما الحزب، فان كان ثمنهما تأخير الحكومة الى أمدٍ غير مسمّى فلا مانع لديه بذلك: عدم السماح بتعويم الحريري سياسيا وجعل وصوله الى السراي الكبير ضمن معادلة معينة وفي ظروف استثنائية بمثابة انتصار له وللخط الإقليمي الذي يمثله؛ وعدم السماح لـ"القوات اللبنانية" بفرض شروطها، لا من قريب ولا من بعيد، على اللعبة السياسية من باب تحالفها مع العهد. وباختصار، لا أحادية سنية تحكم ولا ثنائية مسيحية تتحكّم، والثنائية الشيعية في حالة تأهب وتيقّظ، والجميع على موعد مؤجّل مع حكومة تائهة...