في غمرة الانشغال السياسي بكيفية تشكيل الحكومة والصيغ المقترحة كما الشروط المطروحة وتناحر القوى السياسية على الحصص الحقائب، ينبغي التأمل في عامل مستجد في الحياة السياسية وقد قفز إلى الواجهة مع اﻻنتخابات الرئاسية، وتحول المرشح إلى سمة وميزة العهد، والذي يحلو لمسؤولي التيار العوني إطلاق "عهد الرئيس القوي"، المتمثل بالثنائية المسيحية الناتجة عن تحالف "التيار الوطني الحر" و"القوات اللبنانية".
فنشوء تكتل مسيحي وتبريره قد يكون رد فعل طبيعي بعد عهود من اﻻقصاء والنفي والتهميش ومصادرة الدور والتفريط بالحقوق المسيحية، أو تبريرات من جانب آخر تتسم ببعض الخبث السياسي كون التحالف المسيحي هدفه اﻻقتداء بالثنائية الشيعية للقبض على حصة المسيحيين في الحكم والتحكم بالسلطة واﻻدارة، خصوصا أن هناك مؤشرات عدة ودلائل كثيرة بأن الوزير جبران باسيل إستطاع تجاوز تناقضات هائلة ونجح في إرساء تحالف إستراتيجي.
وفي هذا الصدد، لم تكن مصادفة عابرة أن يطالب الوزير سليمان فرنجية بالكشف عن طبيعة اﻻتفاق بين "التيار" و"القوات" في مرحلة سابقة، جراء إدراكه العميق بأن تفاهم جعجع - باسيل الضمني لم يكن إقرار ورقة تفاهم بعد طول خصام بين الطرفين، وليس ﻻجل إعلان جعجع السير بترشيح عون بعد ترشيح الحريري فرنجية، وكاد أن يصل إلى سدة الرئاسة، بقدر ما يعتبر اﻻتفاق المشترك عهد عون بمثابة التمهيد للاتفاق اﻻستراتيجي القاضي بحصر الترشح للرئاسة بين القوتين المسيحيتين فقط.
هذه "النقزة" من الثنائية المسيحية غير محصورة ضمن القوى المسيحية المستهدفة وجوديا وما تشكيل الحكومة الحالية سوى عينة بسيطة لما ينتظرها في المستقبل بما في ذلك تهشيم صورتها بأنها غير ممثلة للإرادة المسيحية الفعلية، ولعلها أبرز العقبات التي تعوق ولادة الحكومة حتى اﻻن، خصوصا أن الرئيس بري كشف أمام زواره بأن أحد أبرز أسباب رفض اقتراحه التفاهم على سلة قبيل اﻻنتخابات الرئاسية تعود للحفاظ على اﻻتفاق المعقود مسيحيا والمحصور بين "القوات" و"التيار الوطني الحر".
ووفق اﻻحاديث المتداولة حاليا في عين التينة فإن ثمة اكتشافات جديدة تتعلق بالإتفاق الثنائي، طلائعها ما يجري تداوله همسا عن النية المشتركة بالمطالبة بنقل المقعد الماروني من دائرة بعلبك - الهرمل الى بشري، كما نقل المقعد الماروني من طرابلس الى البترون بالتزامن مع طرح قانون إنتخابي جديد على بساط البحث.
من هنا ليست مصادفة التجاذب الحاد في تشكيل الحكومة والمرشح لمزيد من التفاقم، و قد أخرج الرئيس بري أرنبا جديدا في سحره السياسي لكونه مدعوما بتوكيل تام من "حزب الله" لعدم التساهل مع مطلب تشكيل حكومة وحدة وطنية، والمطالبة بمنح تيار "المردة" حقيبة وزارية "دسمة"، ومن الحصة المسيحية تحديدا كما رفض منح الرئاسة الأولى تسمية وزير شيعي. أما أرنب بري الآخر، والذي يعتبر أشد وطأة على باسيل شخصيا هو حصر حصة "المرده" بين حقيبتي اﻻتصالات أو الطاقة ما يعني إمكانية خسارة جبران باسيل قلاعا خدماتية تمترس فيها لسنوات ومن الصعب عليه التنازل عنها بسهولة.