أمّا وقد وصل تناغم الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين مع نظيره الأميركيّ المنتخَب دونالد ترامب إلى درجةٍ غير مسبوقةٍ في تاريخ كلٍّ من قصر الكرملين والبيت الأبيض، بما يؤشّر إلى وجودٍ تفاهماتٍ مشتركةٍ بينهما حول الكثير من القضايا والملفّات الدوليّة والإقليميّة الشائكة، فإنّ وسائل الإعلام الغربيّة التي درجت العادة على أن لا تفوّت أيّة فرصةٍ في مجال توجيه انتقاداتها اللاذعة للسياسات الروسيّة، كان لا بدّ لها من العودة إلى التركيز على استخدام مفرداتها الـ "جيمسبونديّة" التي ظلّت تلازم لغة تخاطبها مع الناس، بين الحين والآخر، عن طريق تعمّد التذكير بماضي الرئيس بوتين الاستخباراتيّ في جهاز أمن الدولة السوفييتيّ (كي جي بي)، من دون الإشارة، لا من قريبٍ ولا من بعيد، إلى أنّ ما يتحقّق للتوّ بين موسكو وواشنطن، ليس أكثر أو أقلّ من مؤشّرٍ واضحٍ على اقتراب موعد اكتمال نضوج ثمرة "العقيدة البوتينيّة"، ولا سيّما إذا أعدنا إلى الذاكرة أنّ إحدى أهمّ ركائز هذه العقيدة، كانت قد تمثّلت في دلالات التصريح الأوّل الذي أدلى به الرئيس بوتين لدى انتخابه في شهر آذار عام 2000، وتحديدًا عندما قال ما حرفيّته: "إنّ روسيا الاتّحاديّة دولةٌ ما زالت تمتلك الكثير من عناصر القوّة، وهي ترغب في استخدامها مع الآخرين، وليس ضدّهم، من أجل بناء عالمٍ متعدّد الأقطاب".
وإذا كان فحوى هذا التصريح قد شكّل على مدى السنوات الستّ عشرة الماضيّة إبرةً لبوصلة تحرّكات الديبلوماسيّة الروسيّة الهادئة في مجال وضع قاعدة بيانات علاقات الكرملين الخارجيّة، فإنّ الأمانة تستوجب التأكيد على أنّ موسكو، ظلّت تحافظ على هذا الهدوء عامًا بعد عام، على رغم كافّة المحاولات الاستفزازيّة التي قام بها الأميركيّون وحلفاؤهم الأوروبيّون ضدّها في أكثرَ من مناسبةٍ، بدءًا من الشيشان، مرورًا بأفغانستان والعراق وجورجيا، ووصولًا إلى أوكرانيا، الأمر الذي استوجب الخروج عن هذا الهدوء، ولو إلى حين، وخصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أنّ إحدى أخطر دلالات الحدث الأوكرانيّ عام 2014، تمثّلت في خروج الغرب الأميركيّ والأوروبيّ عن العرف القائل بأنّه ليس من الحكمة أن تستفزّ رجلًا قويًّا قرب مدخل داره، نظرًا لأنّ ردود أفعاله ستخرج حتمًا عن التوقّعات عندما يستشعر أنّ الخطر محدقٌ فعلًا بأمنه القوميّ.
ولعلّ ما يعزّز هذه الفرضيّة هو أنّ رئيس لجنة الاستخبارات في الكونغرس الأميركيّ مايكل روجرز، سرعان ما طالب وقتذاك بإعادة النظر بكافّة التقارير التي قدّمتها وكالة المخابرات المركزيّة (سي آي إي) حول ردود الأفعال المتوقَّعة على انخراط بلاده في الشأن الأوكرانيّ، ولا سيّما أنّ فيكتوريا نولاند، مساعدة وزيرة الخارجيّة هيلاري كلينتون
للشؤون الأوروبيّة والآسيويّة، كانت قد ظهرت مرارًا بين جموع الانقلابيّين وسط "ميدان الاستقلال" في كييف، قبل أن يُكشَف النقاب لاحقًا عن أنّ الولايات المتّحدة رصدت ميزانيّةً بقيمةِ خمسة ملياراتِ دولارٍ للإطاحة بنظام الرئيس الأوكرانيّ، الموالي لموسكو، فيكتور يانوكوفيش.
على هذا الأساس، تفقد الادّعاءات التي نُشرت اليوم في موقع "هافينغتون بوست" بخصوص مسؤوليّة روسيا عمّا آلت إليه الأوضاع في أوكرانيا الكثير من سمات براءتها المصطنَعة، ولا سيّما أنّها افتقرت إلى أيّة إشارةٍ تتعلّق بالمليارات الخمسة، أو بتدخّل فيكتوريا نولاند المباشِر في الحركة الانقلابيّة، ناهيك عن أنّها تضمّنت اتّهاماتٍ لا أساس لها من الصحّة حول ضلوع "قوّاتٍ روسيّةٍ خاصّةٍ متنكّرةٍ في الاستيلاء على شبه جزيرة القرم"، من دون التطرّق إلى أنّ الاستفتاء الذي أُجري وقتذاك حول مستقبل شبه الجزيرة لم تُطلَق خلاله رصاصة واحدة، وكذلك من دون التطرّق أيضًا إلى أنّ نتائج الاستفتاء نفسه أظهرت رغبة تسعين في المئة من السكّان هناك في العودة إلى الحضن الروسيّ.
وإذا كانت النزعة الـ "جيمسبونديّة" قد بدت جليّةً في مقال موقع "هافينغتون بوست"، ولا سيّما أنّ كاتبَه استهلّ مادّته المنشورة بالقول إنّ "مشاعر الحبّ الغريبة بين الرئيس الأميركيّ المنتخَب دونالد ترامب وفلاديمير بوتين عميل الاستخبارات الروسيّة السابق الذي بنى شخصيّته السياسيّة على كراهية أميركا أثارت مخاوف الكثير من حلفاء الولايات المتّحدة"، فإنّ التوقّعات المتوافرة حاليًّا تدلّ على أنّ هذه النزعة ستلازم وسائل الإعلام الغربيّة أكثر فأكثر على المدى المنظور.
وأغلب الظنّ أنّ ثمّة مادّة شهيّة أصبحت جاهزة للاستهلاك في هذا السياق، وتتعلّق بالشأن السوريّ، إذا ما صدقت الأنباء التي تحدّثت اليوم عن أنّ الرئيس ترامب يعتزم ضمّ النائبة عن الحزب الديمقراطيّ تولسي غابارد إلى إدارته، حيث يجري الآن بحث ترشيحها إمّا لمنصب وزير الخارجيّة أو وزير الدفاع أو مندوب الولايات المتّحدة الدائم لدى الأمم المتّحدة، ولا سيّما أنّ غابارد تُعتبَر من معارضي "إسقاط" الرئيس السوريّ بشّار الأسد، علاوةً على أنّها كانت قد أعلنت في وقتٍ سابقٍ أنّ الإطاحة بالرئيس الأسد وحكومته لن تؤدّي إلّا إلى توطيد مواقع تنظيم "داعش" الإرهابيّ ووقوع أحداثٍ مماثلةٍ لما جرى في ليبيا والعراق.
أمّا بالنسبة إلى مسألة إدراج ماضي الرئيس الروسيّ الاستخباراتيّ في أجندات وسائل الإعلام الغربيّة، فإنّ الإجابة على هذا السؤال تستوجب العودة نحو ربعِ قرنٍ من الزمان إلى الوراء، أي إلى صباح ذلك اليوم الذي رافق فيه فلاديمير بوتين عميد الديبلوماسيّة الأميركيّة السابق هنري كيسنجر في جولةٍ تجاريّةٍ داخل مدينة سان بطرسبورغ، وذلك بحكم عمله وقتذاك بصفةِ نائبٍ لعمدة المدينة.
في ذلك اليوم من مطلع تسعينيّات القرن الماضي، تعرّف الرجلان على بعضهما البعض للمرّة الأولى، فما كان من كيسنجر إلّا أن بادر إلى سؤال مضيفه عن طبيعة وظائفه السابقة قبل انتقاله إلى منصبه الحاليّ، وذلك في وقتٍ كان كان يعاني فيه بوتين من بعض الحرج في الكشف عن ماضيه الاستخباراتيّ، إلى أن اضطرّ، وعلى مضضٍ، إلى التجاوب مع إلحاح ضيفه وفضوله، فصارحه بأنّه سبق وأن عمل في الـ "كي جي بي"، وخدم في ألمانيا الشرقيّة أيضًا. فما كان من كيسنجر إلّا أن ردّ عليه بقوله: "وماذا يضيرك في ذلك.. إنّ كلّ المحترمين في العالم بدأوا عملهم في أجهزة المخابرات... وأنا من بينهم".
على هذا الأساس، لا بدّ وأن تكتسب الحملة الغربيّة المتواصلة على ماضي الرئيس بوتين الاستخباراتيّ صفة "الحرتقة الجيمسبونديّة" البلهاء.. وإلّا، هل كان الرئيس جورج بوش الأب يعمل في ماضيه مثلًا بصفةِ "راهبٍ" في وكالة المخابرات المركزيّة الأميركيّة؟
إنّها الحملات القائمة على سياسات المعايير المزدوجة الغربيّة الواضحة والفاضحة في آنٍ معًا.. والعتب ليس على من يُطلِقها وحده، وإنّما على من يُصدّقها أيضًا.. وما على الرسول إلّا البلاغ.
(جمال دملج- كاتب متخصّص في الشؤون الروسيّة)