لم يكن القرار الذي اعتمده البرلمان الأوروبيّ نهار أمس الأربعاء بشأن مكافحة الإعلام الأجنبيّ مفاجئًا من حيث توقيته بقدر ما كان مفاجئًا من حيث مضمونه، ولا سيّما أنّه حمل في طيّاته مؤشّرًا جديدًا على استبداد النزعة العدوانيّة الموجَّهة ضدّ روسيا بسلوك قيادات غالبيّة الدول التي تتشكّل منها الأسرة الأوروبيّة، الأمر الذي كان قد تجلّى بوضوحٍ من خلال التطرّق إلى وسائل الإعلام الروسيّة، وعلى رأسها وكالة "سبوتنيك" وقناة "RT" وغيرها من المؤسّسات، باعتبارها تشكّل مصدر التهديد الأساسيّ لدول الاتّحاد وشركائها في شرق أوروبا، وفتح بالتالي نافذةً للتأمّل في الحالة المزرية التي وصلت إليها مفاهيم الديمقراطيّة في ممارسات القيّمين على شعاراتها في القارة العجوز، علاوةً على أنّه خلّف وراءه الكثير من الأصداء المبهمة، وخصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أنّ التركيز على استهداف الإعلام الروسيّ في الوقت الحاليّ، ومن قبله على محاربة إعلام حزب الله، يأتي في وقتٍ لا يزال فيه الأثير الأوروبيّ مفتوحًا على أوسعِ نطاقٍ أمام الإعلام الداعشيّ ومشتقّاته الظلاميّة والتكفيريّة والإجراميّة، على رغم الادّعاء القائل بأنّ قيادات الغرب الأميركيّ والأوروبيّ جادّةٌ إلى أبعد الحدود في حربها على الإرهاب!
وإذا كان الرئيس فلاديمير بوتين قد سارع إلى وصف القرار بأنّه مؤشّرٌ على تدهور الديمقراطيّة وتراجعها الملحوظ في المجتمعات الغربيّة، فإنّ المتحدّثة باسم الخارجيّة الروسيّة ماريا زاخاروفا لم تتردّد في اعتباره نتاجًا للموقف الأوروبيّ المعادي لبلادها، ولا سيّما أنّ عنوانه المتمثّل بـ "التواصل الاستراتيجيّ للاتّحاد الأوروبيّ حول كيفيّة مواجهة دعاية دول ثالثة"، كان كافيًا للتعبير عن معاني ودلالات الأبعاد السياسيّة الكامنة بين سطوره، علاوةً على أنّ تزامنه مع التوقّعات الراهنة بشأن اقتراب موعد اكتمال عقد الودّ الثنائيّ على مستوى العلاقات الروسيّة – الأميركيّة، في ضوء إشارات التناغم المتبادَلة باضطرادٍ بين موسكو وواشنطن منذ فوز الرئيس دونالد ترامب في الانتخابات الأخيرة ولغاية اليوم، يشي بأنّ الأوروبيّين عقدوا العزم على المضيّ قدمًا، وحدهم، في رفع الشعارات الدعائيّة للحرب الباردة مع روسيا، وذلك على رغم إدراكهم الكامل للبديهيّة القائلة بأنّ فرص ترجيح كفّة الانتصار لصالحهم في هذه الحرب، ستبقى شبه معدومةٍ في ظلّ افتقارهم إلى قوّة الدفع الأميركيّة التقليديّة التي غالبًا ما كانت تُحرِّك إيقاعها وتُحدِّد وجهتها وتوجّهاتها، وخصوصًا في المجال الإعلاميّ.
ولعلّ ما يعزّز هذا الاعتقاد هو أنّ المنظومة الإعلاميّة الغربيّة التي بنتها واشنطن في تسعينيّات القرن الماضي، من أجل الترويج لأفكار العولمة في أعقاب تفكّك الاتّحاد السوفييتيّ، وإنْ كانت قد تمادت أصلًا في انتهاك خصوصيّات الأمم والشعوب، سعيًا إلى طمس هويّاتها الوطنيّة، وتشويه موروثاتها الفكريّة والثقافيّة والعقيديّة، واختراق نُظمها القيميّة ومبادئها الأخلاقيّة وطقوس حياتها اليوميّة، قبل الشروع في العمل على تطويعها وتدجينها وتسييسها، إلّا أنّ أخطر ما نجم عن ممارسات هذه المنظومة على مرّ السنوات الماضية، كان قد تمثّل في وصول سلوكيّاتها العدوانيّة ضدّ الأصوات الخارجة عن نطاق فضاءاتها إلى حدّ القيام بإسكاتها عن طريق قصفها بالصواريخ، على غرار ما حدث مثلًا في بلغراد عام 1999، عندما استهدفت المقاتلات الأميركيّة والأطلسيّة مقرّ التلفزيون الصربيّ أكثر من مرّةٍ أثناء الحملة العسكريّة التي شُنّت وقتذاك سعيًا إلى الإطاحة بنظام الرئيس اليوغسلافيّ الراحل سلوبودان ميلوسوفيتش، قبل أن يتكرّر الأمر لاحقًا أكثر من مرّةٍ أثناء المغامرات العسكريّة التي خاضتها الولايات المتّحدة وحلفاؤها الأوروبيّون في أماكنَ مختلفةٍ من العالم، وبالأخصّ في العراق عام 2003، وفي ليبيا عام 2011، ومن دون أن تؤدّي كلّ هذه السوابق الخطيرة إلى صدور بيان تنديدٍ واحدٍ عن الهيئات الدوليّة "المرموقة" ذات الصلة بالشأن الإعلاميّ.
وإذا كان سيل الأمثلة على الذنوب التي اقترفتها تلك المنظومة الغربيّة في مجال قلب الحقائق وتسويقها مشوَّهةً، بكلّ لغات العالم، له أوّلٌ وليس له آخر، ولا سيّما مع تحوّل مهنة الإعلام من رسالةٍ نزيهةٍ إلى أسواقِ مضاربةٍ في أسهم الدم الرخيص المهدَر هنا وهناك، خدمةً لسياساتٍ انتحاريّةٍ ومصالحَ حاقدةٍ وجائرة، فإنّ محاضرة البرلمان الأوروبيّ بالعفاف من خلال القرار الذي تمّ اعتماده البارحة، لا تعدو عن كونها التجسيد الأمثل لعهرٍ سياسيٍّ تجاوز شبقُ نزواته المشبوهة كلّ الحدود.. فالصحافيّ، وفقًا لما قاله المفكّر الفرنسيّ ألبير كامو، هو "مؤرِّخ اللحظة"، من دون أدنى شكّ، وحبّذا لو يسعى الأوروبيّون إلى إعادة الاعتبار لهذه المقولة عوضًا عن تجاوزها، لكي يتسنّى للعالم كتابة تاريخٍ نظيفٍ، أغلب الظنّ أنّ الزملاء الروس شرعوا في تدوينه لتوّهم، وسوف يستمرّون.