في حديث أجري مؤخرا مع رئيس قسم شؤون التهديدات والتحديات الجديدة في وزارة الخارجية الروسية "ايليا روغاتشيوف" لفت الأخير الى أنه: "من غير المستبعد ان تكون سياسة الولايات المتحدة في الشرق الاوسط إحدى العوامل الرئيسية في خسارة مرشحة الحزب الديمقراطي "هيلاري كلينتون" في الانتخابات الاميركية أمام "دونالد ترامب" حيث كانت الاخيرة وخلال فترة تسلمها منصب وزيرة الخارجية الاميركية أحد المباردين لترويج مفهوم "الشرق الأوسط الكبير" الذي ينص على نشر الديمقراطية بشكل قسري عبر تغير أنظمة دول المنطقة". ربما يعكس هذا التصريح النظرة التي يرتاح لها الدب الروسي في المنطقة والتي تخالف النظرة الاميركية التي عملت واشنطن على اذكائها طيلة السنوات الماضية اي سنوات الربيع العربي وان بصور مختلفة، الى ان حل الربيع العربي على الساحة السورية حيث تعقدت وجهة سير "نظام الشرق الاوسط الكبير" الاميركية بوصول "الموس" الى رقبة نفوذ اللاعبين الروسي والايراني، فكان التدخل الروسي المباغت براً وجواً في الساحة السورية الضوء الاحمر الذي أُوقف من خلاله اللاعب الاميركي، معيدا التوازن الى كفتي ميزان الميدان السوري مستفيداً من وكالة واشنطن المؤقتة لانشغالها بأزماتها الداخلية واستحقاقها الرئاسي.
لا شك ان الخشية الروسية من تغيير أنظمة دول المنطقة ينطلق من التداعيات التي قد يخلقها هذا التغييرفي التوزان الاقليمي والدولي وفي مقدمتها "الفوضى" التي تسمح بتشريع الأبواب امام استنزاف القوى النظامية الداخلية للدول، معبدة الطريق في آن امام القوى الخارجية للدخول على ساحات دولها واستخدامها تارة لتصفية نفوذ دول منافسة لها فيها وطوراً لانتزاع نفوذ من دول أخرى، وهذا ما لا يتناسب مع تطلعات روسيا في المنطقة التي لطالما سعت الى توسيع رقعة نفوذها فيها عبر بوابة دمشق بشكل خاص، سيما وانها في وضع لا يسمح لها الدخول في حرب استنزاف نظرا للضغوطات المحيطة بها على المستوى الداخلي والمستوى الخارجي، وهي ربما ترى ان اللعب بأوراق على طاولة باردة يكون اكثرربحا لها من اللعب على طاولة مشتعلة. من هنا كان التحول في قواعد لعبة "التغيير" في المنطقة من عناوين الديمقراطية والحريات الى عنوان القضاء على الارهاب، والتي كان الدب الروسي واضحاً فيها مؤخرا من خلال ابداء استعداده للتحالف المشترك مع الولايات المتحدة الاميركية ضد تنظيم داعش انطلاقا من "ضرورة تغيير أهداف الولايات المتحدة في سورية نحو مكافحة الارهاب"وفق ما صرح به رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الاتحاد الروسي "قسطنطين كوساتشيف" مطلع الاسبوع الجاري والذي يبدو انه في طريقه للترجمات بعد مكالمة هاتفية جرت بين الرئيس الروسي بوتين والاميركي ترامب أكد فيها الاخير نواياه في "تطبيع العلاقات بين روسيا والولايات المتحدة وتوجيهها مجرى التعاون البناء فيما يخص حزمة من القضايا والمسائل".
أمام هذا الواقع، تبدو المملكة العربية السعودية اولى المستكشفين لمرامي اللعبة الروسية الجديدة والمستشرفين لنتائجها وقد وصلت الى قناعة بعدم امكانية اختراق الجدار الذي يقوم الدب الروسي برصفه حول آخر الانظمة المتبقية اي النظام السوري عبر وضع بدل الحجارة التي تهدم حول النظام الف حجارة، متكئا على الاتفاق النووي الذي أمن له ورقة تطييع طهران تحت طائلة اسقاط الاتفاق خاصة في ظل تهديدات الادارة الاميركية الجديدة حوله. اضف الى ذلك الفتور الذي ساد مؤخرا علاقتها مع واشنطن والذي من المتوقع ان تشهد مرحلة من التوتر في عهد الادارة الاميركية الجديدة،هذا عدا عن استغلال الورقة اليمنية باعتبارها الخاصرة السعودية الرخوة.
من هنا برز التحول في السياسية الخارجية للرياض عبر رجوعها خطوة واحدة الى الوراء معتمدة سياسة هز العصا في المرحلة الاولى وفي كل الاتجاهات، معولة على نيلها جزء من نصيب التسوية تحت طائلة توجيه ضربة قاضية وفق قاعدة "عليّ وعلى اعدائي"، ودلالات ذلك نقرأها في الخطوات التي اقدمت عليها مؤخرا والتي نلخص ابرزها بما يلي :
- تحذير الرياض الرئيس الاميركي المنتخب "دونالد ترامب" "من مغبة وردة فعل ناتج عن سياسة وقف استيراد النفط من الخارج وبان اقتصاد أميركا سيتضرر اذا أقبل ترامب على تنفيذ وعوده الانتخابية لاسيما لهذه الناحية، وانه في حال تم ذلك، فهذا يعني وقف تصدير واشنطن لتصدير صفقات متنوعة بمئات المليارات للسعودية على حد تعبير وزير الطاقة والصناعة والثروة المعدنية السعودية "خالد الفالح" لصحيفة "فايننشال تايمز".
- مشاركة المملكة اوكرانيا في تمويل انتاج منظومة صواريخ باليستية جديدة تحمل اسم "جروم" اي الرعد، وفق ما ذكرته صحف اوكرانية حيث اعتبرت ان ظهور نظام عسكري جديد سيغير من توازن القوى بين اوكرانيا وروسيا.
- عودة الرعاية السعودية للبنان عبر مباركتها انتخاب العماد ميشال عون رئيسا للجمهورية حليف حزب الله،معولة في ذلك على عدة نقاط يمكن في حال الاستحصال عليها التمكن اقله من خلق قوة ردع داخلية تكبل نفوذ حزب الله انطلاقا من عقر داره، وابرز هذه النقاط هي :
- ادراك المملكة لنار المارونية السياسية الراكدة تحت رماد اتفاق الطائف ومحاولتها استنهاض وجودها الذي كان لها قبل الاتفاق، وجنوح الرئيس عون للتفاهم مع رأس الفريق السياسي الشيعي اي حزب الله الذي قدم له نفسه على انه الحامي الاول للحقوق، كل ذلك يشكل ورقة رابحة للمملكة اذا ما تم انتزاعها عبر احتضان الرئيس عون وتقديم الدعم والرعاية له- سيما بما تمثل- تمهيدا لسحبه من حضن حزب الله الذي استفاد بشكل كبير من الغطاء الشرعي الذي قدمه له الاخير وتياره.
- سلوك حزب الله كشريك للجيش اللبناني في الدفاع عن لبنان لابل اكثر كحامي للجيش، وتلمس المملكة لاولوية اولويات العهد الجديد والتي ظهرت جلية في خطابات الرئيس عون حول ضرورة توفير الدعم الكامل للجيش اللبناني، مما قد يفتح الباب واسعاً نحو عودة الحياة مجددا للهبة السعودية للمؤسسة العسكرية والتي قد تكون مقدمة نحو فتح ابواب دعم اخرى تحت عنوان تعزيز قدرات الجيش لمكافحة الارهاب، على ما قد يترتب على ذلك من دخول للجيش في مرحلة من الاكتفاء الذاتي ،يضع البلاد حينها امام سيناريوهين، الاول: عودة بعض الاطراف الداخلية للمطالبة بوضع الاستراتيجية الدفاعية على طاولة البحث مجددا، والثاني: الدفع بالمؤسسة العسكرية في مواجهة مع حزب الله ضمن عملية استدراج تمنح القوى الشرعية وبدعم دولي كلمة الفصل في رسم مستقبل سلاح حزب الله .
(ميرفت ملحم - محام بالاستئناف)