لا يمكن لأي من طبّاخي الحكومة العتيدة أن يعد حزب "الكتائب" بامكانية مشاركتهم في الجنّة الحكومية. تدلّ المؤشرات المتتالية الواحدة تلو الآخرى أنّ الصيفي لا ترغب في وضعها خارج السلطة التنفيذية. الرئيس أمين الجميل عبّر عن هذه الرغبة بوضوح فيما ترك رئيس الحزب سامي الجميل الباب مفتوحاً أمام حوار بناء مع "التيار الوطني الحر" علّه يداوي ما أفسده خلاف الرئاسة.
عملياً، ليس المقعد الوزاري هو المقصود من هذه الهدنة التي أرادتها الكتائب مع المنظومة الحاكمة، وهذه التهدئة في الخطاب الكتائبي، لأنّ الانتقال الى مقاعد المعارضة قد لا يكون مضراً في هذا الظرف بالذات الذي يسبق الاستحقاق النيابي المرتقب خلال أشهر محددة، وإنما المسألة أعمق من ذلك بكثير.
اذ يقول أحد راصدي مزاج الشارع المسيحي، إنّ هذا الجمهور ينحاز دوماً الى جانب "ضحايا" السياسة. فالجنرال ميشال عون عاد الى بيروت في العام 2005 على متن تسونامي زعاماتي لم يعرف مثيل له، لأنه كان ضحية "التحالف الرباعي" الذي عزله. وهو تمكن من الحفاظ على شعبية جماهيرية قلّ نظيرها لأنه خاطب المسيحيين بلغة التهميش والحقوق المهدورة أو بالأحرى المغتصبة، ولم يتعامل معهم من منطق قوته، بل من زاوية المستهدَف. ولهذا كان دوماً زعيماً أول.
ولذا أيضاً حين وضع "التيار الوطني الحر" يده بيد القوات في الانتخابات البلدية الأخيرة، لم ينجح الحليفان الجديدان في "قشّ" المجالس البلدية كما كانوا يتوقعون، لأنّ الرأي العام نظر اليهما بمنظار القوي الذي بمقدوره الغاء الآخرين، فخفّ وهج التفاهم ولم يتمكن من فرض سطوته.
ولهذا أيضاً، ثمة من يرى أنّ إخراج حزب الكتائب من السلطة بقرار موقّع من الثنائي المسيحي القوي، سيحوّل الصيفي الى ضحية جديدة ستلقى حتماً تعاطفاً استثنائياً من جانب الجمهور المسيحي حتى لو لم يكن مؤيداً لطروحاتها.
من هنا، يعتقد البعض أن الحشد الحزبي الذي نجحت الكتائب في تأمينه خلال ذكرى استشهاد بيار الجميل، قد يدلّ نسبياً على هذا المناخ التعاطفي الممكن أن يتعاظم أكثر، فيما لو جرى جدياً وضع الحزب خارج الصف الحكومي.
ومع ذلك، تفضل الكتائب البقاء تحت جناح السلطة. لماذا؟
يقول المطلعون إنّ هناك خشية حقيقية لدى الرئيس الجميل من أداء إلغائي قد يصيب الكتائب خلال الانتخابات النيابية، وقد عبّر النائب سامي الجميل عن هذا الأمر بوضوح، لأن القيادة الكتائبية تعلم جيداً أنّ "ابتلاع" الحزب من جانب "القوات" هو حلم عتيق لدى قيادة معراب، وهي تطمح لتكون وريثة مبكرة للحزب الأم، وقد تتمكن من تحقيق هذا الهدف اذا ما التقت في لوائح مشتركة مع "التيار الوطني الحر"... على حساب الحصة الكتائبية.
طبعاً، لا يزال سعد الحريري الى جانب الصيفي، ولكن في دوائر جبل لبنان الكلمة ستكون للصوت المسيحي. ولهذا تخشى الكتائب من اللوائح المقفلة.
وبهذا قد تفضل أن تكسر سمّ التوتر مع الثنائي المسيحي، من أن تحصد فوائد خطاب المعارضة.