ظنّ كثيرون أن ولادة الحكومة، وهي حكومة العهد الأولى، لن تكون متعثرة بالقدر الذي ذهب إليه البعض في وضع العصي في دواليب التأليف، بحجج لا تتناسب مع منسوب الأمل المعقود على ما يُمكن أن تؤول إليه أوضاع البلاد بعد فراغ طويل على كل المستويات، وليس فقط على مستوى الرئاسة الأولى.
وأعتقد هؤلاء أن مشوار التأليف سيكون سهلا وألاّ تعترضه مطالب من هنا وأخرى من هناك، على رغم تقليل أصحاب الشأن من أهمية ما يُسمى عراقيل، أقله من قبل من يُفترض بهم أن يكون في صفوف المسّهلين غير المعرقلين، وذلك إستنادًا إلى الشعارات التي أطلقت بالتزامن مع إنطلاقة العهد الجديد.
ولا يفهم عددٌ لا بأس به من اللبنانيين لماذا توضع العصي في دواليب التأليف طالما أن جميع المسؤولين متوافقون على نقل البلاد من ضفة الإنهيار إلى ضفة الإنتاجية، والسعي الحثيث إلى عدم تفويت الفرص السانحة وعدم الإستمرار في سياسة تضييع هذه الفرص، وقد أصبح البعض مختصًّا في هذا المجال، وهي سمة أصبحت متلازمة مع فن سياسة الفرص الضائعة.
فإذا كان ما يُسمى بوزارات خدماتية هي من أجل خدمة جميع المواطنين على حدّ سواء فلماذا هذا الإختلاف على وزارة محدّدة يُفترض أن تؤمن الخدمات لجميع اللبنانيين ولكل المناطق، وبالأخص تلك المعتبرة محرومة من الحدّ الأدنى من هذه الخدمات، سواء في الجنوب أو الشمال أو البقاع أو في المناطق الجبلية النائية، وليس لفئة محدّدة من اللبنانيين ولمنطقة دون سائر المناطق.
فإذا كانت القصّة قصّة زفت إنتخابي، باعتبار أن جميع طرقات لبنان تحتاج إلى تأهيل وصيانة، ولأن هذه الخدمة يجب أن تراعي مبدأ التوازن المناطقي، فيجب أن تكون وزارة الأشغال العامة من حصّة رئيس الجمهورية، بإعتباره رئيسًا لكل لبنان، وليس من حصّة أي فريق سياسي، أيًّا يكن حجمه التمثيلي، وذلك خوفًا من أن يُجيّر زفتها لمنطقة دون أخرى ولهدف إنتخابي بحت.
قد لا يكون مستوى العرقلة بهذه البساطة التي ينظر إليها البعض من زاوية ضيقة الرؤية، وقد يكون وراءها ما وراءها من مقاصد إثبات وجود سياسي في غمرة متغييرات إقليمية غير بعيدة المرامي عما يُمكن ربطه بمفاصل الساحة اللبنانية، والتي تمتدّ خيوطها إلى ما وراء الحدود، وإن بدا للبعض أن خطوة إنتخاب رئيس للجمهورية، للوهلة الأولى، منفصلة عما يدور حول لبنان من تطورات، وأن تبقى ساحته محيدّة عن تداعياتها في مظهريها الإيجابي والسلبي على حدّ سواء.
فالقصّة ليست قصّة وزارة خدماتية من هنا وأخرى سيادية من هناك، لأن ما نشهده من سجال سياسي حامٍ لا يوحي بأن مسيرة العهد الجديد ستكون خالية من العراقيل والمطبات، إلى درجة أن بعض الذين يراقبون عن بعد وبصمت علقوا على ما يجري مع إنطلاقة العهد بأن ما كان يسمح به البعض لأنفسهم من ممارسته من داخل حكومة الرئيس تمام سلام، وما أعترضها من مشاكل وتعقيدات سينقلب "سحرهم" عليهم، وهكذا سيكون تعامل من كان متضررًا من ممارستهم السابقة من خلال "تصعيب" المهمة على العهد الذي يأمل بإحداث تغييرات جذرية في مفاصل الدولة وضرب مكامن الفساد. ولهذا الموضوع بحث آخر.