تعدّ عقد توزيع الحقائب في حكومة عهد الرئيس العماد ميشال عون بين سيادية وخدماتية وسواها سطحيّة قياسًا إلى ما تخفيه من نوايا سياسية مبيّتة هي في حقيقتها تنافس طائفي صريح عاد ليتظهّر بقوة بلا أي محاولة لحفظ لماء الوجه.
هذا الواقع يشي بأن تشكيل حكومة العهد الأولى برئاسة سعد الحريري لن يكون سهلا وسيبقى الرئيس الحريري مكلّفا الى أن تُحلّ العقدتان الحقيقيتان: الرفض المطلق لدى طائفة معينة لعودة "القوات اللبنانية" الى السلطة، مع أن الجميع يعترف بحقّها بأن تكون شريكًا في الحكم، وتحقيق "السلّة المبطنة" التي يحملها رئيس المجلس النيابي نبيه برّي ومن ورائه "حزب الله".
في العقدة الأولى، يتكلّم الفرقاء اللبنانيون من مختلف الجهات بتوجّس كبير عن المصالحة المسيحية بين "التيار الوطني الحرّ و"القوات اللبنانية"، معتبرين أنها تؤسس لحضور مسيحي طاغ في الدولة على المدى البعيد، وهذا ما لا يستسيغه "من يدير البلد" بحسب التعبير السياسي لأحد الحزبيين الإشتراكيين.
ولعلّ عودة "القوات اللبنانية" هي الهدف الذي يتمّ عبره التصويب مباشرة على عهد رئيس الجمهورية المنتخب العماد ميشال عون.
ويردّ مسؤول قواتي "الهجمة" ضدّ "القوات" الى الخوف من رئيسها سمير جعجع الذي يبني مؤسسة وليس حزبًا عاديًا، ثم المصالحة المسيحية التي أعادت الدور المسيحي لإدارة البلد وهذا أمر لا أحد كان راغبًا به.
ويقول المسؤول القواتي: لقد اعتاد الجميع على الغياب المسيحي من الدولة، وهذا يشبه شخصًا سافر الى بلد بعيد، وكان أهله يراسلونه، ثمّ بعد 10 أعوام تباعدت الرسائل ثمّ توقفت، وبدأ الأهل والأقارب يحرثون أرضه ثمّ صاروا ينامون في غرفته، ويتقاسمون أغراضه، وبعد 40 عامًا قرر الرجل العودة فوقعت المصيبة! ويردف: إعتقد البعض أن المسيحيين ماتوا...لكنّهم عادوا وهم لا يطالبون بشيء إلا بحقهم.
ويشير المسؤول الى أن التشكيل الحكومي تعطّل حاليًا، وعادت الأمور الى نقطة الصفر، وسيعاد النظر بكلّ توزيع الحقائب وقد تعيد "القوات" المطالبة بحقيبة سيادية لأنها لا يمكنها أن تقدم مزيدًا من التنازلات لفريق وضع "فيتوات" متتالية على الحقائب الأمنية والسيادية وحتى الخدماتية. وأكد المسؤول القواتي أن العلاقة مع الرئيس العماد عون ممتازة والأمر نفسه ينسحب مع رئيس "التيار الوطني الحرّ" جبران باسيل" وهي ستستمرّ على هذا المنوال.
من جهته، لا يبدو فريق الرئيس سعد الحريري راضيًا عن التعاطي المسيحي مع التشكيل الحكومي لكنّه يبقي على الإيجابية السائدة مع طرح تساؤلات، فيقول مصدر في تيار"المستقبل" إن القوى السياسية لا تبدو مستعجلة كثيرًا لتشكيل الحكومة. فللرئيس العماد عون وزراء في حكومة تصريف الأعمال ووزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل سافر الى البرازيل ولا يعود قبل أسبوع، أما فريق 8 آذار فلديه سلّته المبطّنة التي يطمح إلى تحقيقها على حساب كلّ شيء.
ولفت المصدر الى أن العقد ليست بسيطة كما يصوّرها الإعلام والمشكلة الحقيقية تكمن في انبثاق تحالف مسيحي يريد العودة الى السلطة ونيل كل الإمتيازات وإعادة صلاحيات رئيس الجمهورية التي أخذها الطائف بلا تعديل الدستور، وفريق آخر لديه تلك السلّة، والأمور في عمقها مرتبطة بقانون الإنتخابات النيابية العتيد، ومن هنا ثمّة تخوّف من أن يقبل الرئيس عون بهذا الـ"الستاتيكو" الحكومي لغاية إجراء الإنتخابات النيابية المقبلة.
من جهتها، تؤكد أوساط إشتراكية أن لا أحد يريد إعطاء "القوات اللبنانية" ما تريده وقد عاد التفكير بصيغة الثلاثين وزيرًا، علما أن ما تطلبه "القوات" عادي وطبيعي، لكنّ الإتفاق المسيحي- المسيحي مخيف بالنسبة إلى البعض، في حين أن وليد جنبلاط سهّل الأمور حتى النهاية مكتفيا بوزيرين في حكومة الـ24 و3 وزراء إذا ارتفع العدد الى 30 وزيرا.
ويعلّق المسؤول القواتي على المطالبة برفع عدد الوزراء بقوله:" يريدون زيادة عدد الوزراء لإيجاد شخصيات تقاتل عنهم أي "بروكسي" Proxy، لأنه لغاية اليوم لم يستطع "حزب الله" أن يسمع من يدافع عن وجهة نظره سوى رئيس المجلس النيابي نبيه برّي".