بين "ظالم ومظلوم"، من دون أن نعرف حتى الساعة من هو الظالم ومن هو المظلوم، يستمر التأرجح السياسي وسط تجاذبات تتخطى في خلفياتها وزارة من هنا، تُسّمى أحيانًا سيادية، وأخرى من هناك يُطلق عليها تسمية "خدماتية"، لتطاول حيثية كل فريق من الأفرقاء السياسيين لتصل في أبعادها إلى ما يجري من تجاذب إقليمي يلقى صدىً واسعًا على الساحة اللبنانية، بما يعني أن الوضع الداخلي باقٍ على حاله، على رغم ما أوحى به إنتخاب العماد عون رئيسًا للجمهورية من مناخات تفاؤلية بقرب الحلحلة على كل الصعد.
في ظاهر الأشياء يبدو أن الصراع على حقيبة وزارة الأشغال بين الرئيس نبيه بري وحزب "القوات اللبنانية"، مع تمسك رئيس مجلس النواب على إعطاء تيار "المردة" حصّة وازنة من الوزارات المحسوبة على التحالف المسيحي، هما اللذان يعرقلان قيام حكومة العهد الأولى بشقّ النفس، ولكن للناظرين في خلفيات هذه المواقف نظرة مغايرة، إذ يعتقدون جازمين أن ما تشهده الساحة السياسية من تجاذبات يتخطى مسألة الحقائب وكيفية توزيعها، باعتبار أن ما بين عين التينة ومعراب أكثر من سبب للتباعد والتنافر والإختلاف، لتصل الأمور إلى حدّ التوجس من "النيو" تحالف مسيحي بين "التيار الوطني الحر" و"القوات اللبنانية، وبالأخص بعد وصول العماد عون إلى مركز القرار الأول، ليس إستنادًا إلى ما تبقى من صلاحيات لرئيس الجمهورية، بل تأسيسًا على شخصية الرئيس الآتي على خلفية محاربة الفساد وترسيخ الميثاقية وتعزيز الحضور المسيحي في الدولة واسترجاع هيبة الرئاسة، وهذا الأمر لا يتوافق مع واقع البلاد الغارقة في محاصصة المصالح.
وقد يكون موقف الرئيس المكلف هو الأكثر حراجة، وهو الموضوع قسرًا بين شاقوفي عين التينة – حارة حريك، ومعراب – بعبدا، إذ يجد نفسه في صراع توازنات شاقة بين التحالف الشيعي والتحالف المسيحي، وهو يبدو كمن يمشي على الجمر، باعتبار أن دقة المرحلة في مفاصل جدّية تفرض عليه التعامل مع هذا الواقع بكثير من الحذر والحكمة، خصوصًا أن أي خطوة ناقصة في هذا المجال قد تكون سابقة خطرة على وضعيته السياسية وعلى مستقبله داخل طائفته من جهة، وعلى تحالفاته الإقليمية من جهة أخرى.
من هنا يمكن فهم ما قاله الرئيس نبيه بري يوم سمّى الرئيس سعد الحريري لتأليف الحكومة، من أنه معه "ظالمًا كان أم مظلومًا"، وهو تعبير مجازي، بدأت مراميه ومقاصده تتبلور من خلال ما يوضع في طريق التأليف من عراقيل، توحي بأن عثرات التأليف ليست سوى "بروفا" على ما ستكون عليه العلاقات بين ضفتي الوطن، سواء تمّ التوصل إلى "تقليعة" الحكومة أو بقاء جميع الأطراف محاصرين في الزوايا غير المدورّة.
وفي كل ذلك ما يشي بأن الصراع السياسي بين محورين لا يزال في بداياته، وهو صراع يتنقّل على صدى الحرب الدائرة في حلب، وما تخفيه الأيام الطالعة من مفاجآت قد تقلب موازين القوى، والتي سيكون لتداعياتها صدىً مؤثّر على مجريات العهد الجديد ومستقبل العلاقات بين الأطراف اللبنانية.