يأخذ "المؤتمر الدائم للامركزية الشاملة والفدرالية" على عاتقه كسر المحرمات التي صبّ أسوارها اتفاق الطائف منذ وضعه حيز التنفيذ. بمعنى آخر، يحاول الخروج من الدائرة المقفلة التي تخشى القوى السياسية تخطي عتبتها، لاعتبارات كثيرة، تختلف باختلاف مصالح كل فريق.
إذ يجول المنسق العام للمؤتمر الدكتور كميل ألفرد شمعون والأمين العام الدكتور ألفرد رياشي على القوى السياسية حاملين أفكارهم "التغييرية"، علّهما يدفعان مضيفيهما الى إخراج مكنوناتهم الى العلن، والتفكير بصوت عال عن حلول بديلة للنظام القائم.
في لقاءاته مع مختلف الأحزاب، يحاول الوفد المصغّر للمؤتمر توضيح بعض البدائل الممكنة، ويطرح بشكل خاص سلّم الأنظمة المنبثقة عن اللامركزية السياسية والتي تصل الى حدود الفدرالية، للتدليل بوضوح على أن هذه الصيغة وحدوية تحافظ على الكيان اللبناني كدولة متماسكة ولا تعني أبداً التقسيم كما كان يروج لها خلال فترة الحرب تحت مسمى "الكونفدرالية".
بنظر الوفد، التفكير بنظام بديل صار حتمياً، ولا بدّ من فلش الأوراق التنظيمية التي تساعد اللبنانيين على معالجة أزماتهم الدستورية ونزاعاتهم السياسية التي تلازمت مع ولادة "وثيقة الوفاق الوطني"، لتثبت عجز هذا الاتفاق عن صياغة الحلول في اللحظات العصيبة، وكأنه وجد ليكون معلولاً...
يكاد يكون الإجماع قائماً بين القوى اللبنانية على الشكوى من النظام الحالي الذي بلغ حائطاً مسدوداً وأسقط الجمهورية في قعر الشلل بعدما تقاعدت مؤسساتها الدستورية قسرياً. الكل مقتنع بوجود الخلل، ولكن كل يوصفه من منظاره، ويضع أصبعه على الجرح الذي يؤلمه... ولكن أياً منهم لا يتجرأ على توصيف الدواء.
حتى العماد ميشال عون الذي هدد في الكواليس بالإنقلاب على الصيغة القائمة بعدما طفح كيل اعتراضاته وشكواه، لكنه عاد وسعى إلى طمأنة بقية الشركاء بأنّ "الطائف" هو سقف الجميع... الى أن تقول الإرادة الدولية والإقليمية غير ذلك.
عملياً، هنا بيت القصيد. يعرف اللبنانيون أنّ قرار تغيير النظام أو تعديله أو حتى تجميله، لن يكون محلياً، لا بل سيكون نتيجة تسوية خارجية تعيد رسم موازين القوى الداخلية.
ولهذا فإنّ الاعتقاد السائد بأنّ الصيغة اللبنانية ستظل ممسوكة، وإن كانت عاجزة عن العمل، الى أنّ تتضح الصورة الإقليمية التي تشهد مخاضاً صعباً قد ينتج عنه مشهد انقلابي يغيّر كل السائد.
وبالتفصيل، هناك من يظن أنّ اتجاه الأنظمة القائمة من حولنا، وتحديداً في سوريا والعراق، هو الى مزيد من الفدراليات الطائفية، وهو أمر محتمل، نظراً الى التطورات العسكرية الدراماتيكية الحاصلة، ومن شأن ذلك أن يفتح الباب أمام هذا الاحتمال ليكون الملجأ الانقاذي في لبنان لمسلسل النزاعات السياسية الذي لا ينتهي.
وفق وفد المؤتمر، فإنّ الانطباعات التي خرج منها من لقاءاته السياسية لم تكن سلبية. هذا لا يعني أّنّ القوى اللبنانية ترحب جميعها بطرح الفدرالية ولكن أقله ليس هناك من رفض كلي، وإنما انفتاح ايجابي على النقاش.
ثمة من يقول إنّ كل القوى اللبنانية بعد تفجّر بركان التطرف الطائفي والنزاع المذهبي في المنطقة باتت مأزومة، وبحاجة إلى صيغة جديدة تطمئن كل المكونات. والجلوس على طاولة التغيير صار حتمياً. ولا بدّ من الاستعداد لأي طارىء قد يحصل من خلف الحدود من خلال وضع اوراق تنظيمية وأفكار جديدة تصلح للنقاش عندما ينطلق القطار.
ومع ذلك، لا يزال الكلام عن تعديل النظام فيه شيء من المغامرة التي يخشى الكل مواجهتها، فيتلطون خلف جدار "الطائف" المهترء، بانتظار هدوء العاصفة، ومن بعدها لكل حادث حديث.
("لبنان 24")