يقرّ لبنان في العام 2015 من القرن الواحد والعشرين قانون سلامة الغذاء، لكنه يستغرق قرابة عام قبل أن توافق حكومته على إنشاء الهيئة اللبنانية لسلامة الغذاء التي لا تزال حتى الساعة مجرد حبر على ورق.
تُصدر وزارة الصحة مؤخراً اللائحة "عدد 97" للعينات المطابقة وغير المطابقة المتخذة من المؤسسات الغذائية، ولا يزال المواطن غير مطمئن إلى مستقبل أمنه الغذائي. على غرار حياة "توم أند جيري"، تلاحق الوزارة المؤسسات المخالفة وتسطّر بحقها محاضر ضبط أو تقفلها فتستعجل هذه الأخيرة تسوية أوضاعها، وبعضها يستوفي الشروط الصحية حتى أجل... مسمّى! تُتلف منتجات فاسدة بشكل دوريّ، ولا تزال حالات تسممّ وتقيؤ وإسهال تسجّل. يتعرّض المستهلك في كثير من الأحيان إلى شتّى أنواع التضليل والغشّ والتلاعب بمصير حياته وحياوات أحفاده، فلا يعترض إلا نادراً، ولا يبادر إلا بخجل وخوف.
تشارك المجتمعات في دول العالم المتحضرة بمبادرات دولية ومحليّة وحقوقية من أجل الإنسان وبيئته. في الدنمارك على سبيل المثال، افتتحت جمعية DanChuchAid مطلع العام الحالي "سوبرماركت" (Wefood) يبيع منتجات غذائية انتهت مدّة صلاحيتها لكنها ما زالت قابلة للأكل.
لاقت الفكرة قبولاً كثيفاً من الدنماركيين بمختلف أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية، فالهدف الذي تنشده الجمعية لا يقتصر على مساعدة ذوي الدخل المحدود وحسب (تباع المنتجات التي يتبرع بها أصحاب المتاجر والموّردون بأسعار مخفضة تصل إلى 50 في المئة، علماً أن أرباح الجمعية تذهب لمصلحة الأعمال الخيرية)، بل أيضاً على مكافحة الهدر الغذائي الذي صار قضية عالمية، وعلى مكافحة المجاعة في العالم إذ وبحسب منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، فإن كمية الطعام المهدورة سنوياً تبلغ حوالى 1.3 مليار طن أي ما يكفي لإطعام مليار شخص يعانون من الجوع حول العالم.
ومن الأهداف المنشودة أيضاً، الحفاظ على البيئة والمناخ باعتبار أن ثلث الغذاء المنتج في جميع أنحاء العالم يذهب هدراً إلى النفايات التي توّلد بدورها غازات مسببة الاحتباس الحراري في الغلاف الجويّ، إضافة إلى تخفيف التكاليف الاقتصادية بحيث تقدّر تكلفة الهدر الغذائي بحوالى 1 تريليون دولار في السنة.
مشروع الجمعية لا يتعارض مع القانون الدنماركي الذي يسمح ببيع الأغذية منتهية الصلاحية ما دام البائع يشير إلى ذلك وما لم يكن هناك خطر مباشر لاستهلاكها.
في فرنسا، أقرّ مجلس الشيوخ الفرنسي بالإجماع قانوناً (شهر شباط الماضي) يحظّر على محلات السوبرماركت (التي تبلغ مساحتها 400 متر مربع وتزيد عن 4305 قدم مربع) رمي أو إتلاف المواد الغذائية غير المباعة، وإجبارها بدلاً من ذلك على التبرع بها للجمعيات الخيرية وبنوك الطعام، أو مواجهة عقوبات تتراوح بين الغرامات والسجن لمدة سنتين.
وفي بريطانيا، بات مشروع The Real Junk Food أشهر من نار على علم، وهو قائم على فكرة إعداد أطباق مصنوعة من مكوّنات كانت في طريقها للنفايات، ناشداً هدف إطعام الفقراء والمحتاجين.
تسير هذه الدول وسواها إذاً بخطى ثابتة نحو مستقبل تضمحل فيه المجاعة وتُحترم البيئة وتفيض الانسانية. في أوائل شهر تشرين الثاني (الحالي) افتتحت الجمعية الدنماركية الفرع الثاني من المتجر في العاصمة كوبنهاغن، وتخطط لافتتاحة فرعها الثالث في العام 2017. وتأمل فرنسا أن يتعممّ قانونها ليشمل كلّ الدول الأوروبية التي يولي معظمها قضايا البيئة والإنسان الأهمية الأولى والأخيرة.
قد تبدو مقاربة هذا الموضوع ومحاولة "لبننته" ضرباً من جنون. ولعلّها بالتأكيد كذلك. الأسباب التي تحول دون افتتاح سوبرماركت يعرض المنتجات المنتهية الصلاحية قد يختصرها مصطلح واحد: الفساد.
يتداول منذ يومين على مواقع التواصل الاجتماعي فيديو لشخص يقوم بنزع مغلف عن "شوكولا" شهير محلياً، فتسرح الديدان وتمرح فيه، على رغم عدم انتهاء صلاحيته. ماذا يعني هذا الأمر؟ هل تتحمّل الشركة المصنّعة مسؤولية فساده، أم ثمة من قام بتزوير تاريخ الانتاج والانتهاء، أم ان عملية توضيبه وعرضه لم تكن تستوفي الشروط المطلوبة؟!
في خلال السنتين الماضيتين، لحق الظلم ربما بعدد من المؤسسات أو المطاعم التي تمّ "وشمها" بعبارة "غير مطابق للمواصفات" كونها لم تكن مسؤولة بالدرجة الأولى والأساسية عن وجود مواد فاسدة أو منتهية الصلاحية لديها. ما لوم مطعم صغير اذا كانت المياه التي تصل إلى دجاجه ملوّثة مثلاً؟ وما ذنب صاحب دكان وصلته بضائع بتواريخ "معدلّة" يصعب كشف التزوير فيها؟! لكن في المقابل، كانت الأغلبية من المتعاطين بقطاع الغذاء مُدانة، وبالجرم المشهود. الجشع والفساد والاستهتار بكلّ القيم والأخلاقيات والقوانين من أجل حفنة من المال، يضاف إليهم استنسابية الدولية في التعاطي مع موضوع السلامة الغذائية ونقص الوعي الملحوظ عند قسم من المواطنين...كلّها أمور تبعدنا عن الدنمارك ومثيلاتها من الدول المطابقة للمواصفات!