من غير الطبيعي ألا تشكّل الحكومة، ومن غير المنطقي أن تكون "تقليعة" العهد الجديد متعثّرة، بعد الآمال العريضة التي علقها اللبنانيون على شماعته بعد طول إنتظار، وبعد فراغ حتّمت بعض الظروف الداخلية والإقليمية وضع حدّ له بإنتخاب رئيس جديد للبلاد.
فالحكومة ستُشّكل عاجلًا أم آجلًا، بعد طول أخذ وردّ، وبعد تنازع على الحقائب السيادية والخدماتية، وإن كان لكل طرف سياسي غاية تبرّر له الوسيلة، خصوصًا أنه لم تعد مخفية الأسباب التي حالت دون قيام الحكومة في وقت قصير، وهذا ما دفع البعض إلى التنصّل من تحديد مواعيد تأليفها، وهم العارفون ببواطن الأمور وبما يخفيه كل فريق سياسي من مفاجآت، منها ما له علاقة بطبيعة القانون الذي ستجرى الإنتخابات النيابية على أساسه في ربيع العام 2017، ومنها ما له من إرتباط بالأحجام والتحالفات القديم منها والجديد، مع ما ترتبه الظروف من حيثيات ترتبط بالوضع الإقليمي وتطوراته، ومدى إنعكاسها سلبًا أو إيجابًا على الوضع الداخلي.
فبعدما وصلت الرسائل المشّفرة إلى القصر الرئاسي، وهي واضحة المقاصد والغايات، وقد أخذت من قبل المعنيين بجدّية ومسؤولية، لم يعد من مبرّر لاستمرار تعليق مصير الحكومة على حبل الانتظار، خصوصًا أن باعث هذه الرسائل، كما متلقيها، أصبحا في حلقة ضيقة لا تتوافر معها إمكانات المناورة السياسية، بعدما أتضح للجميع مكامن العِقد وكيفية تجاوزها، بما يضمن السير بين نقاط التناقضات الكثيرة، التي طفت على سطح المعطيات الواقعية، إستنادًا إلى مبررات يتلطى وراءها الأفرقاء السياسيون، على تعدّد أهوائهم وتطلعاتهم إلى مستقبل العلاقات بين بعضهم البعض، إنطلاقًا من ثوابت غير مشتركة.
وفي رأي القريبين من العهد الجديد أن التحدّي الأكبر الذي يواجهه الرئيس العماد ميشال عون ليس في تشكيل الحكومة المكّلف بها الرئيس سعد الحريري، وهو تفصيل من بين غيره من التفاصيل، بل في إمكانية قيادة سفينة الوطن وسط أمواج من التناقضات. ومن هنا تكون البداية.
ويعّول هؤلاء على قدرة الرئيس عون في إدارة البلاد وسط كل هذه التناقضات، مع ما تفرضه من السير على حافة السكين، والتعاطي مع الواقع السياسي بكثير من التأني والتوازن بين أضداد التركيبة السياسية. فهو من جهة ملتزم بتحالفه الإستراتيجي مع "حزب الله"، من خلال ورقة تفاهم مار مخايل، ومحكوم من جهة أخرى بإتفاق معراب وتحالفه مع "القوات اللبنانية"، وما ترتبه عليه تسوية "بيت الوسط" من إلتزامات، وهي التي أوصلته مجتمعة إلى قصر بعبدا.
والتحدّي الكبير الذي سيواجهه الرئيس عون أنه منذ 31 تشرين الأول أصبح رئيسًا للجمهورية، أي رئيسًا لكل البلاد، ولم يعد لديه هامش واسع من الحركة السياسية التي كان عليها يوم كان رئيسًا لتكتل "التغيير والإصلاح". فما كان جائزًا بالأمس لم يعد متاحًا اليوم، وبالأخص في ما يتعلق بتحالفه الإسترايجي مع "حزب الله"، وهو الذي سيجد نفسه مضطّرًا إلى التعاطي مع دول لا تزال تعتبر أن "حزب الله" يعاديها، وبالأخصّ دول الخليج العربي، وبالتالي فإن ذلك يفرض على رئيس البلاد التصّرف مع هذه الدول وسفرائها بكثير من الحكمة، أي أن يوازن بين الواقع اللبناني الذي لا مناص منه وبين علاقات لبنان الخارجية.
أما ما يتعلق بتفاهمه المسبق مع "القوات اللبنانية"، وهو اتفاق أنهى حال العداء بين مكونين أساسيين على الساحة المسيحية، فعلى رئيس الجمهورية أن يعمّم مفاعيل هذا الإتفاق على مساحة الوطن، من خلال تعزيز المناخات التي يتفق عليها جميع اللبنانيين، والتي تشكّل القاسم المشترك بينهم، وترك الأمور الخلافية جانبًا بما لا يؤثر سلبًا على وضعية البلد ومسيرة استقراره وإزدهاره. وفي ذلك تحدٍ كبير.
وقد يكون بيان الأمس الصادر عن رئيس الجمهورية وما فيه من مؤشرات و"دعوة أبوية" بداية الطريق الطويل وكسرًا للجليد المتراكم على حوافي الطرقات السياسية.