أمّا وقد أوشك رماد جثّة الزعيم الكوبيّ التاريخيّ فيدل كاسترو على أن يُشيَّع نهار غدٍ الأحدَ إلى مثواه الأخير تحت ترابِ مدينةِ سانتياغو دي كوبا، مهدِ الثورة التي قادها في خمسينيّات القرن الماضي ضدّ نظام الديكتاتور فولغينسيو باتيستا، فإنّ الحديث عن رمزيّة هذه المناسبة المتّشحة بعنفوان الحزن، وبحزن العنفوان، لا بدّ وأن يتفاعل ويستفيض، نظرًا لأنّ الراحل لم يكن صاحبَ شخصيّةٍ كاريزميّةٍ شغلت العالم بفرادتها وتمايزها من أقصاه إلى أقصاه وحسب، وإنّما لأنّه كان حقًّا رمزًا لعصرٍ كاملٍ من الوهج الثوريّ، بكلّ ما يحمله هذا التوصيف من دقّةٍ متناهيةٍ في التعبير لدى التطرّق إلى إيمانه بثوابتِ مسيرةٍ نضاليّةٍ حافلةٍ، مكّنته عن جدارةٍ، وهو الملحدُ بامتيازٍ، من مقاومةِ حصارٍ أميركيٍّ جائرٍ فُرِض على بلاده طيلة أربعةٍ وخمسينَ عامًا من الزمان، تمامًا مثلما مكّنته من التمسّك دائمًا بإرادة الحياة في مواجهة إرادة الموت، ولدرجةٍ غالبًا ما كانت تصل في أوج عنفوانها إلى حدّ قيامه بتحدّي الولايات المتّحدة الأميركيّة عن طريق مخاطبة المسؤولين فيها برسائلَ مشفَّرةٍ قائلًا: "أنتم تصدّرون القتلة إلى العالم.. ونحن نصدّر الأطبّاء"، الأمر الذي كان قد تجلّى عمليًّا في أجمل صوره، على سبيل المثال وليس الحصر، عندما سار شخصيًّا في الصفّ الأماميّ لتظاهرةٍ حاشدةٍ نُظِّمت أمام مكتب رعاية المصالح الأميركيّة على كورنيش هافانا، من أجل التعبير عن شجب الكوبيّين وإدانتهم للغزو الأميركيّ على العراق عام 2003، بينما كان العرب وقتذاك يسترسلون في التسبيح بحمدِ "الديمقراطيّة" الآتية بقدرةِ جورج دبليو بوش وطائراتِ الـ "بي 52" إلى بلاد الرافدين.
على هذا الأساس، يصبح في الإمكان، جدلًا، إضفاء سمة "الوراعة" على النزعة الإلحاديّة في حياة فيدل كاسترو، وخصوصًا إذا تمّت مقارنتها بسلوكيّات "المؤمنين" لدى تعاطيهم مع توجّهات الولايات المتّحدة القائمة على سياسات الكيل بمكيالين في أماكنَ مختلفةٍ من العالم، حيث الغاية غالبًا ما كانت تبرّر الوسيلة، على رغم الشبهات التي سجَّل تاريخنا المعاصر في مناسباتٍ عدّةٍ أنّها ظلّت تحوم باستمرارٍ حول الغايات والوسائل الأميركيّة على حدٍّ سواء.
وإذا كانت الدعاية الإعلاميّة التي أطلقتها واشنطن ضدّ الجزيرة الشيوعيّة قد فعلت فعلتها في أوساط الرأي العامّ العالميّ، عن سابقِ عزمٍ وتصميم، وبتوجيهاتٍ مباشِرةٍ من عملاء وكالة المخابرات المركزيّة (سي آي إي) في معظم الأحيان، فإنّ وطأة هذه الدعاية لم يُقدَّر لها أن تخفّ إلّا بعدما أقدمت السلطات الكوبيّة على إنعاش القطاع السياحيّ في البلاد عام 1991، الأمر الذي ساهم إلى درجةٍ كبيرةٍ في تمكين الناس من رؤية الأمور على حقيقتها بالعين المجرّدة، تمامًا مثلما ساهم بالتالي في رفع الظلم المعنويّ الذي عانى منه الكوبيّون خلال سنوات الحصار الأميركيّ الطويلة.
الإرث التاريخيّ المحفوظ
في هذا السياق، وتوخّيًا للدقّة لدى إقران الحجج بالبراهين، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ أيّ زائرٍ لهافانا، وبمجرَّد خروجه من متحف الثورة حاملًا على وجهه سمات الانبهار بكافّة تفاصيل سيرة الرفاق الذين صنعوا الحاضر الكوبيّ وحصّنوه، منذ انتصارهم يوم الثامن من شهر كانون الثاني عام 1959 ولغاية الوقت الراهن، فإنّ خطواته ستقوده على الفور صوب مبنى الـ "كابيتوليو" العريق، أملًا في استكشاف المزيد من الأماكن التراثيّة، ولا سيّما أنّ زيارة هذا الصرح الذي تمّ الانتهاء من بنائه عام 1929، وإن كانت أهمّيّتها تتمثّل أوّلًا في كونه صُمِّم كنسخةٍ طبق الأصل عن مبنى الـ "كابيتول هيل" في واشنطن، بدءًا من طراز هندسته المعماريّة الفريد، مرورًا بروعة قبابه العالية المزخرفة باتقانٍ وأعمدته الرخاميّة الشاهقة، ووصولًا إلى لوحاته وتحفه الفنّيّة الرائعة المعروضة على الجدران، إلّا أنّ الأهمّ من ذلك كلّه لا بدّ وأن يظهر جليًّا للعيان، إذا ما توصّل الزائر إلى قناعةٍ مفادها أنّ المشاهدات التي سجّلها للتوّ، تعني في إطار ما تعنيه أنّ قيادة الثورة نجحت طيلة السنوات الماضية في المحافظة على تاريخ الشعب الكوبيّ وإرثه، من دون المبادرة إلى شطب أو إلغاء أو تشويه المراحل السابقة، الأمر الذي يكفي بالتأكيد لدحض الدعاية الإعلاميّة الأميركيّة التي غالبًا ما كانت تسعى إلى وصف الثوّار بأنّهم مجموعةٌ من المغامرين الغوغائيّين الذين استهدفوا، من خلال الوصول إلى السلطة، العملَ على تحقيق مصالحَ ومكتسباتٍ شخصيّة.
كاسترو.. وبابا الفاتيكان
لا شكّ في أنّ هذه الدعاية كانت شرسةً بامتيازٍ، تمامًا مثلما كانت شخصيّة الـ "كوميندانتي" فيدل كاسترو مثيرةً للجدل بامتيازٍ أيضًا، الأمر الذي ظلّ يتبلور على الدوام بأشكالٍ مختلفةٍ، من بينها التصويب الأميركيّ المركَّز على الجانب الإلحاديّ في حياته، ولا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار أنّ أولى تجلّيات الإعلان عن تأسيس الحزب الشيوعيّ بشكلٍ رسميٍّ في الجزيرة عام 1965، أي بعد مرور ستّةِ أعوامٍ على انتصار الثورة، كانت قد تمثّلت في القيام بإغلاق الكنائس والأديرة، وحظر ممارسة الشعائر الدينيّة فيها، وذلك تيمّنًا بما كان الرفاق السوفييت قد أقدموا عليه في أعقاب انتصار الثورة البلشفيّة عام 1917.
ولكن مع قيام السلطات الكوبيّة بالعمل على إنعاش القطاع السياحيّ في أعقاب تفكّك الاتّحاد السوفييتيّ عام 1991، سعيًا إلى توفير مواردَ ماليّةٍ لدعم الاقتصاد المحلّيّ، فإنّ أماكن العبادة التي لم تُقرع الأجراس فيها منذ زمن طويل، سرعان ما تمّ إدراجها على لائحة السياحة الدينيّة، إلى أن بادر البابا الراحل يوحنا بولس الثاني بزيارة كوبا للقاء قائدها التاريخيّ عام 1995، حيث تمّت إعادة الروح للهويّة الكاثوليكيّة الكوبيّة، وذلك عن طريق الإقدام على خطوةٍ أوّليّةٍ على هذا الصعيد، تمثّلت باتّخاذِ قرارٍ يقضي باعتبار عيد الميلاد عطلةً رسميّةً، قبل أن يستردّ الجسم الكاثوليكيّ فيما بعد عافيته بشكلٍ كاملٍ، وتُوضع أماكن العبادة في متناول السائحين والمؤمنين على حدٍّ سواء، ولا سيّما أنّ زيارة البابا الراحل لهافانا كانت قد مهّدت الطريق أمام زياراتٍ متتاليةٍ قام بها لاحقًا كلٌّ من خلَفِه بنديكتوس السادس عشر والحبر الأعظم الحاليّ البابا فرانسيس.
وإذا كان ما تقدّم في هذه العجالة لا يكفي بالتأكيد لتسليط الضوء على مختلف الجوانب في شخصيّة الزعيم الكوبيّ الراحل التي لم تكفّ عن إثارة الجدل ولن تكفّ، فإنّ خلاصة القول منه تتمثّل في حتميّة التوصّل إلى قناعةٍ مفادها أنّ الدعاية الإعلاميّة الأميركيّة لم تسفر في نهاية المطاف عن تحقيق الأهداف المرجوّة منها، تمامًا مثلما لم ينجح الحصار في بلوغ غاياته أيضًا.. وللحديث عن فيدل كاسترو بمناسبة يوم وداعه غدًا الأحد تتمّة!
(جمال دملج - كاتب متخصّص في الشؤون الروسيّة)