يرقد رماد جثّة "الكوميندانتي" الراحل فيدل كاسترو اليوم الأحد في مثواه الأخير تحت تراب مدينة سانتياغو دي كوبا، مهدِ الثورة التي قادها في خمسينيّات القرن الماضي ضدّ نظام الديكتاتور فولغينسيو باتيستا، راضيًا ومطمئنًّا على مستقبل الإرث الذي خلّفه لشعبه خلال كافّة مراحل مسيرته النضاليّة الطويلة، فكرًا وعنفوانًا وأحلامًا وإنجازات، ومدركًا في أعماق روحِه الهائمةِ الآن في السماء أنّ مراسمَ تأبينه الجنائزيّةَ المهيبةَ التي تواصلت على مدى الأيّام التسعة الماضية، لم تحمل في تجلّياتها ما يليق بسيرته من مؤشّراتٍ واضحةٍ على أنّ التاريخ سيُنصفه وحسب، بل شكّلت أيضًا دليلًا قاطعًا على وفاء الكوبيّين المتناهي لفكره وعنفوانه وأحلامه وإنجازاته، على رغم كلّ ما يُروَّج له من معلوماتٍ في وسائل الإعلام الغربيّة، في إطار الدعاية الخبيثة، عن أنّ ثمّة تيّاراتٍ محلّيّةً في الداخل الكوبيّ، أعدّت العدّة للانقضاض في أقرب فرصةٍ سانحةٍ على المبادىء التي كرّسها طيلة حياته في هذه الجزيرة الصامدة، الأمر الذي يبدو حاليًّا وكأنّه من رابع المستحيلات، ولا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار أنّ مثل هذه التيّارات، إنْ وُجدت في الأصل، فهي لا تعدو عن كونها مجرّد نقطةٍ في بحر المدّ الجماهيريّ العارم الذي ظلّت أصواته تصدح بترديد شعاره القائل بـ "الاشتراكيّة أو الموت"، على طول المقاطعات التي مرّ بها موكب رماده وعرضها، من هافانا إلى سانتياغو دي كوبا.
لا شكّ في أنّ بذور الثورة التي زرعها الراحل منذ بدء مرحلة كفاحه ضدّ الظلم عام 1953 راحت تُثمر مواسمَ وفيرةً من الوهج والتألّق في أوساط أبناء شعبه، ولا سيّما أنّ أولى الإجراءات التي أقدم على اتّخاذها في أعقاب تتويج كفاحه بالنصر يوم الثامن من كانون الثاني عام 1959، كانت قد تمثّلت في العمل على إعادة الحقّ إلى أصحابه، وذلك عن طريق تأميم الممتلكات الأميركيّة التي تجاوزت نسبتها وقتذاك الثمانين في المئة من مساحة الأراضي الكوبيّة، الأمر الذي سرعان ما ردّت عليه الولايات المتّحدة بفرض حصارٍ صارمٍ على الجزيرة، استغرق أربعةً وخمسينَ عامًا من الزمان، ووُصِف في أكثرَ من محفلٍ دوليٍّ بأنّه يندرج في إطار عمليّات الإبادة الجماعيّة التي يُعاقِب عليها القانون، من دون أن يؤدّي ذلك إلى إحباط الكوبيّين أو الحدّ من عزيمتهم على التمسّك بإرادة الحياة في مواجهة إرادة الموت.
وإذا كانت مبادىء الاشتراكيّة التي تربّى عليها أبناء هذا الشعب الطيّب قد شكّلت بالنسبة إليهم الدواء الشافي من عوارض الإصابة بأمراض الامبرياليّة الخبيثة، فإنّ واقع الحال القائم على هذه الثوابت، كان قد تجلّى الليلة الماضية بأبهى صوره، وذلك خلال حفل التأبين الأخير الذي أقيم لـ "الكومينداني" الراحل وسط ساحة ماسّيو أنطونيو في مدينة سانتياغو دي كوبا، وخصوصًا عندما وقف الرئيس الكوبيّ راؤول كاسترو أمام حشدٍ غفيرٍ من الجماهير، ليؤكّد على استمراريّة النهج الاشتراكيّ في الجزيرة قائلًا: "نعم نستطيع أن نصمد ونعيش ونتطوّر من دون أن ننكر مبادئنا، ومن دون التخلّي عن الاشتراكيّة"، ومشدِّدًا على أنّ "تلك هي رسالة فيدل".
هذا الكلام الذي تردّدت أصداؤه بحضور شخصيّاتٍ سياسيّةٍ عديدة، من بينها الرئيسان الفنزويلّيّ نيكولاس مادورو والبوليفيّ إيفو موراليس، إضافةً إلى الرئيسين البرازيليّين السابقين لولا دي سيلفا وديلما روسيف، ومسؤولين غربيّين مثل وزيرة البيئة الفرنسيّة سيغولان روايال، وأسطورة كرة القدم العالميّة الأرجنتينيّ دييغو مارادونا، جاء في ختام فترة الحداد الوطنيّ على القائد الراحل التي استغرقت تسعةَ أيّامٍ، لتبدأ إثر ذلك فترة الحداد الوجدانيّ التي لا يمكن أن يحدّها أيّ مدى زمنيّ على الإطلاق، ولا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار التوصيف الأدقّ لشخصيّة فيدل كاسترو الفذّة الذي كان قد ورد في برقيّة التعزية التي أرسلها الرئيس اللبنانيّ ميشال عون بُعيْد الإعلان عن خبر الوفاة الصاعق يوم السادس والعشرين من الشهر الماضي، والتي جاء فيها أنّ "القائد الأعلى للثورة الكوبيّة، ترك لقرابة قرنٍ في ضمير العالم بصمة أكسبتها خبرته الطويلة قوّة إقناعٍ ومهابةً حتّى غدت مواقفه السياسيّة وجدليّاته القوميّة نهجًا تفرّد به".
نعم.. هكذا هو فيدل كاسترو بكلّ تأكيد.. واليوم مع رحيله إلى مثواه الأخير بالقرب من ضريح بطل الاستقلال الكوبيّ خوسيه مارتي في مدينة سانتياغو دي كوبا، فإنّ العالم يكون بذلك قد ودّع آخر العمالقة الذين ينتمون إلى سنوات القرن العشرين، بينما ستواصل أصداء مواقفه التاريخيّة القيّمة تردّداتها العميقة في وجدان الناس، حيث "الثورة ليست سريرًا من ورود، وإنّما صراعٌ بين المستقبل والماضي"، حسب ما جاء على لسانه في أحد الأيّام.. وممّا لا شكّ فيه أنّ المؤشّرات المتوافرة في الوقت الحاليّ ما زالت تدلّ على أنّ المستقبل الكوبيّ سيبقى بخير.
(جمال دملج - كاتب متخصّص في الشؤون الروسيّة)