في انتظار تصاعد الدخان الأبيض بشأن مستقبل الأوضاع في شرق مدينة حلب السوريّة من مقرّ انعقاد اجتماعات لجنة الخبراء الروسيّة ـ الأميركيّة في جنيف اليوم أو غدًا، بعد اكتمال وضع اللمسات الأخيرة على آليّة تنفيذ الخطّة الخاصّة بخروج جميع المسلّحين من المناطق المتبقّية تحت الحصار هناك، وفقًا لما تمّ الإعلان عنه على هامش لقاء الوزيرين سيرغي لافروف وجون كيري في روما نهار الجمعة الماضي، فإنّ عمليّة العدّ العكسيّ لموعد استعادة سيطرة الجيش السوريّ وحلفائه على كامل تراب هذه المدينة المنكوبة تكون قد بدأت بالفعل، ولا سيّما أنّ مشروع القرار الأخير الذي تقدّمت به إسبانيا ومصر ونيوزيلندا إلى مجلس الأمن الدوليّ من أجل "وقف الأعمال القتاليّة لفترةٍ محدَّدةٍ يمكن أن تُمدَّد"، كان قد بقي مجرّد حبرٍ على ورق، وذلك بعدما استخدمت روسيا والصين حقّ النقض ضدّه خلال الجلسة التي خُصِّصت لمناقشته مساء أمس الاثنين، الأمر الذي يعني في إطار ما يعنيه أنّ آمال مقاتلي الفصائل المحاصَرين في كسب المزيد من الوقت لاستجماع قواهم مجدَّدًا لا بدّ وأن تكون قد خابت وتبدّدت هذه المرّة، تمامًا مثلما يعني أيضًا أنّ هوامش المناورة المتاحة أمامهم خلال الساعات القليلة المقبلة أصبحت ضيّقة أكثر من أيّ وقتٍ مضى من عمر الأزمة السوريّة.
ولعلّ ما يعزّز هذا الاعتقاد يتمثّل في أنّ الوزير لافروف، وإنْ كان قد بدا البارحة جادًّا كعادته لدى التطرّق إلى الحرب التي تقودها بلاده على الإرهاب في سوريا، إلّا أنّ النبرة الهادئة التي اتّسمت بها تصريحاته حول المقترحات الأميركيّة الخاصّة بتسوية الأوضاع في حلب، وشت بأنّه واثقٌ من أنّ الولايات المتّحدة لا تعتزم المناورة واللعب على حبال الوقت حسب ما درجت عليه العادة في السابق، وخصوصًا عندما قال إنّ هذه المقترحات الجديدة "تنسجم مع مواقفنا"، معربًا عن أمله في التوصّل قريبًا إلى اتّفاقٍ ينصّ على خروج جميع المسلّحين من شرق المدينة، بينما سيتمّ التعامل مع أولئك الذين سيرفضون الخروج باعتبارهم إرهابيّين، ومشدِّدًا في هذا السياق على أنّ مجموعة من الخبراء الروس والأميركيّين سيبدأون العمل في جنيف قريبًا (اليوم أو غدًا) من أجل إتمام صياغة الاتّفاق، ومؤكّدًا أنّ لدى موسكو ما يبعث على الأمل في نجاح الجهود الروسيّة – الأميركيّة من أجل إنهاء قضيّة حلب، وإعلان وقف إطلاق النار هناك، وإيصال المساعدات الإنسانيّة للمدنيّين.
علاوةً على ذلك، فقد أوضح الوزير لافروف أيضًا أنّ اقتراح نظيره الأميركيّ جون كيري ينصّ على مساراتٍ معيّنةٍ لخروج المسلّحين، ومواعيدَ محدَّدةٍ لهذه العمليّة، لافتًا إلى أنّ الجانب الروسيّ كان مستعدًّا لبدء المشاورات في
جنيف اعتبارًا من نهار أمس الاثنين، ولكنّ واشنطن طلبت تأجيل لقاء الخبراء قليلًا، حيث من المتوقَّع أن يبدأ مساء اليوم الثلاثاء أو صباح غدٍ الأربعاء.
وفي هذا السياق، عبّر الوزير الروسيّ عن أمله في أن تستغلّ الولايات المتّحدة هذه المهلة التي طلبتها من أجل استخدام كافّة القنوات المتاحة لتنفيذ مهمّة إخراج جميع المسلّحين من حلب الشرقيّة، مشدِّدًا على القول: "إنّنا ننطلق من أنّ الأميركيّين، عندما قدّموا مبادرتهم حول ضرورة خروج جميع المسلّحين من شرق حلب، كانوا يتفهّمون تمامًا ما هي الخطوات المطلوب اتّخاذها من جانبهم ومن جانب حلفائهم الذين لهم التأثير على المسلّحين المتخندقين هناك".
"الفيتو" الروسيّ والصينيّ
في غضون ذلك، استغربت وزارة الخارجيّة الروسيّة في بيانٍ دعوات فرنسا وبريطانيا إلى وقف عمليّة مكافحة الإرهاب في شرق حلب بحجّة تدهور الوضع الإنسانيّ، مشيرةً إلى أنّ "الدعوات المتكرّرة التي تُسمع من عددٍ من العواصم الغربيّة إلى وقف عمليّة مكافحة الإرهاب في شرق حلب تشبه أكثر فأكثر محاولةً أخيرةً ومستميتةً لتبرير رعاياهم من الإرهابيّين والمتطرّفين المهزومين، أي هؤلاء الذين لا يتوانون عن فعل أيّ شيءٍ من أجل بلوغ مآربهم".
وعلى هذا الأساس، كان لا بدّ لروسيا، وإلى جانبها الصين، من استخدام حقّ النقض ضدّ مشروع القرار الإسبانيّ – المصريّ – النيوزيلنديّ في مجلس الأمن الدوليّ أثناء مناقشته مساء أمس الاثنين، ولا سيّما أنّ النصّ الوارد في هذا المشروع، لا يتحدّث عن خروج المسلّحين، وإنّما عن وقفٍ فوريٍّ لإطلاق النار، علاوةً على أنّ موسكو، وانطلاقًا من الخبرة المكتسَبة خلال فترات التهدئة السابقة، لا بدّ وأن تكون على يقينٍ بأنّ المسلّحين سيستغلّون هذه المهلة لإعادة نشر قوّاتهم، وللحصول على التعزيزات، الأمر الذي سيعرقل تطهير المناطق المتبقّية تحت سيطرتهم في شرق حلب، وسيتعارض مع المقاربات التي تنسّقها موسكو وواشنطن حاليًّا بهذا الخصوص، بصفتهما الرئيسيْن المناوبيْن لمجموعة دعم سوريا.
ولأنّ روسيا لا تُلدَغ من جُحرٍ مرّتين، فقد عبّر مندوبها الدائم لدى الأمم المتّحدة فيتالي تشوركين عن اعتقاده بأنّ ما ينبغي على المجتمع الدوليّ فعله في الوقت الحاليّ هو انتظار نتائج الاجتماع المرتقب بين لجنة الخبراء الروس والأميركيّين في جنيف، ليصبح تبنّي مشروع القرار بعد ذلك جدّيًّا، لافتًا إلى أنّه من الممكن تبنّي أيّ قراراتٍ بشأن وقف الأعمال القتاليّة في سوريا، ولكنّ ذلك لن ينجح من دون القيام بما يكفي من الخطوات التمهيديّة.. وأغلب الظنّ أنّ تلك الخطوات أوشكت بالفعل على الاكتمال، وأنّ دخانها الأبيض سيتصاعد خلال الساعات القليلة المقبلة من جنيف، علّه يتمكّن هذه المرّة من إعادة الأمل إلى أبناء مدينةٍ مدمَّرةٍ ومقهورةٍ ومنكوبةٍ، لطالما اتّشحت
بسوادٍ من ظلاميّةِ أفكارِ الطارئين عليها، ولو إلى حين.. والطارئون عادةً لا مكان لهم بأيّ شكلٍ من الأشكال، سواءٌ في الجغرافيا أم في التاريخ!
(جمال دملج ـ كاتب متخصّص في الشؤون الروسيّة)