ربّما يذكُرُ بعض الأخوة من الفتحاويّين القدامى الذين حملهم قدر الاجتياح الإسرائيليّ للبنان عام 1982 إلى المبنى الواقع في "22 زالاغوستا ستريت" في منطقة "آيوس بافلوس" في العاصمة القبرصيّة نيقوسيا أنّهم كانوا يشكّلون الأمل المتبقّي لاستمراريّة نبض "القطاع الغربيّ" في قلب حركة التحرير الوطنيّ الفلسطينيّ، إثر إصابته بتداعيات أزمة الخروج من بيروت، ولكنّهم لا يتذكّرون حتمًا أنّ الشكوى التي أرسلوها في خريف عام 1983 إلى قائدهم الراحل خليل الوزير (أبو جهاد)، أثناء إقامته في العاصمة الأردنيّة عمّان، ضدّ المسؤول التنظيميّ عنهم (أبو صلاح)، على خلفيّة اتّهامه بإساءة معاملتهم قياسًا بطريقة معاملته الحسنة لأخوتهم من غير الفلسطينيّين، هي التي جلبت المصائب عليهم لاحقًا، وأدخلت معظمهم كسلعةٍ رائجةٍ في سوقِ نخاسةٍ، غبّ الطلب، للتخابر مع الأعداء، ولا سيّما أنّ الفريق العامل في المبنى المذكور، والمسجَّل في دوائر الهجرة والجوازات القبرصيّة باعتباره يشكّل طاقم أسرة التحرير في مجلّة "فلسطين المحتلّة"، ظلّ على الدوام "هدفًا شهيًّا" لعملاءِ أجهزةِ استخباراتٍ دوليّةٍ وعربيّةٍ مختلفة، وذلك بسبب الاشتباه بأنّ المهمّة الأساسيّة الموكولة إليه، لا تتركّز على إصدار المجلّة بشكلٍ أسبوعيٍّ وحسب، وإنّما على القيام بإدارة شؤون أعضاء "خلايا الداخل" الفلسطينيّ، وإرشادهم وتوجيههم إلى ما ينبغي عليهم القيام به من عمليّاتٍ فدائيّة عند الحاجة، الأمر الذي غالبًا ما درجت العادة على أن يتمّ عن طريق التواصل بشكلٍ يوميٍّ مع "مكتب القدس الإعلاميّ" الذي كانت تديره وقتذاك السيّدة ريموندا الطويل، والدة أرملة الرئيس الفلسطينيّ الراحل ياسر عرفات الحاليّة السيّدة سهى، والذي كان يشكّل بدوره همزة الوصل الوحيدة ما بين قيادة "القطاع الغربيّ" في الخارج وما بين الفدائيّين المنضويين تحت لوائه في الداخل.
على هذا الأساس، قرّر الراحل أبو جهاد المعروف بدماثة أخلاقه إيفاد أحد مستشاريه من ذوي الأصول الكرديّة العراقيّة إلى قبرص، بغية النظر في الشكوى المقدَّمة واتّخاذ الاجراءات اللازمة بشأنها، فإذا بالموفد الكريم يحطّ رحاله في الجزيرة برفقة زوجته ياسرة، ويتوجّه على الفور من مطار لارنكا الدوليّ إلى فندق "كراون" الكائن على بُعدِ أمتارٍ قليلةٍ فقط من "22 زالاغوستا ستريت" في نيقوسيا، حاملًا في جعبته نيّةً مبيّتةً للعمل على إزاحة أبو صلاح عن منصبه وتجريده من مسؤوليّاته، الأمر الذي سرعان ما بدأتْ مؤشّراته الأوّليّة بالظهور إلى العلن بعدما شرع في استدعاء المشتكين للقائه في الفندق، الواحد تلو الآخر، ليطرح عليهم سؤالًا موحَّدًا مفاده: "كيف يمكن أن نُثبت أمام أبو جهاد أنّ أبو صلاح حرامي"؟
سؤالٌ.. سرعان ما مهّد الطريق أمام الموفد لكي يجد فيه ضالّته بعد أقلّ من ثلاثة أيّامٍ، وذلك بعدما سلّمه أحد الفتحاويّين القدامى مستندًا يكشف عن تورّط غريمه أبو صلاح باختلاس مبلغٍ قدره ثمانية آلاف دولار من إجماليّ الميزانيّة الشهريّة المخصَّصة للمكتب، ولمرّةٍ واحدةٍ فقط، الأمر الذي لم يكن كافيًا بالطبع لإقناع الراحل أبو جهاد باتّخاذ قرارٍ يقضي بإقفال "فلسطين المحتلّة" وإصدار مجلّةٍ أخرى عوضًا عنها، لو لم يتمّ العمل وقتذاك على تزوير المستند عن طريق رفع قيمة المبلغ المختلَس إلى ثمانين ألف دولار، وبالشكل الذي رفع بالتالي نسبة الحظّ في نجاح هذه الخطّة اللئيمة.
الموساد على الخطّ!
في تلك الأثناء، وبينما راح الموفد الزائر يتحوّل تدريجيًّا إلى مقيمٍ دائمٍ في قبرص، منتظرًا اكتمال إجراءات تسجيل مجلّته الجديدة في الدوائر الرسميّة المختصّة، فقد سارع إلى استئجار مكاتبَ فاخرةٍ جديدةٍ في إحدى العمارات الواقعة في شارع "ديغينيس آكريتاس" وسط نيقوسيا، يقينًا منه بأنّ الأمور تسير لصالحه على أحسن ما يرام، قبل أن يقوم بفتح حسابٍ مصرفيٍّ في أحد فروع "بنك أوف سايبروس" الكائن في العمارة ذاتها، من أجل استقبال التحويلات التي ستصله تباعًا بسخاءٍ في المستقبل.
وإذا كانت خطوة فتح الحساب في فرع البنك المذكور الواقع على جهة اليسار من مدخل تلك العمارة قد بدت اعتياديّة للغاية، فإنّ ما لم يكن اعتياديًّا على الاطلاق، يتمثلّ في اعتماد صاحب المكتب الفاخر الجديد لاحقًا على وكالة سفريّات قبرصيّةٍ، تقع على جهة اليمين من المدخل، في مجال شراء التذاكر الخاصّة برحلات غالبيّة الكوادر الفلسطينيّة الفاعلة في أماكنَ مختلفةٍ من العالم، وذلك بعدما أغرته مديرتها الفاتنة أندرولا بكافّة مكوّنات جسدها الرائع، من دون أن يعرف أنّه وقع للتوّ في شِراكِ مصيدةٍ نُصبت له بتدبيرٍ من عملاء جهاز الموساد الإسرائيليّ، الأمر الذي سرعان ما أصبح جليًّا مثل الشمس في عزّ الصيف، وخصوصًا في أعقاب قيام سلطات الأمن في مطار تلّ أبيب باعتقال فتاةٍ فلسطينيّةٍ تدعى شمس، لدى عودتها من أوّل مهمّةٍ أنجزتها على مدى ثلاثةِ أيّام في قبرص، بتذكرةِ سفرٍ قُطِعت لها من وكالة السفريّات القبرصيّة المشبوهة، علمًا أنّها كانت قد زارت الجزيرة مرارًا في السابق، للقيام بمهمّاتٍ مماثلةٍ، من دون أن يؤدّي ذلك إلى تعرّضها لأيّ سوء.
لا شكّ في أنّ الأخوة الفتحاويّين القدامى يتذكّرون هذه القصّة جيّدًا، ولا سيّما أنّ ما حدث مع شمس لطالما أثار حفيظتهم وغضبهم ونقمتهم، قبل أن يضطرّوا إلى التسليم بالأمر الواقع مرغمين، وذلك تحت وطأة التطوّرات المتسارعة التي استجدّت على مسار عملهم النضاليّ، بدءًا من الانشقاق الذي شهدته حركة فتح على أيدي أبو موسى وأبو خالد العملة ومن لفّ لفّهما من القوى الدائرة وقتذاك في فلك نظام الرئيس السوريّ الراحل حافظ الأسد، مرورًا بحصار القيادة الفلسطينيّة في مدينة طرابلس في شمال لبنان ودكّها بمختلف أنواع القذائف والصواريخ، ووصولًا إلى إجبار تلك القيادة على الرحيل باتّجاه تونس البعيدة كلّ البعد عن المدى الحيويّ لعصبِ الكفاح المسلّح، حيث تمّت عمليّة اغتيال الراحل أبو جهاد في وَضَح نهار السادس عشر من شهر نيسان عام 1988، بينما كان الرجل الذي أوفده إلى قبرص قبل خمسةِ أعوامٍ من ذلك التاريخ قد قطع شوطًا طويلًا في مجال تثبيت مواقعه داخل منظّمة التحرير الفلسطينيّة، على رغم كافّة الشبهات التي ظلّت تحوم حوله، حتّى أنّه أصبح لاحقًا من أقرب المقرَّبين إلى الراحل ياسر عرفات، ومستشاره الماليّ فيما بعد، ومن ثمّ وصيًّا على التحدّث عن حالته الصحّية في أعقاب نقله مسمومًا من مقرّ "المقاطعة" في رام الله إلى المستشفى التي توفّي على أحد أسرّتها في باريس، وشريكًا لأرملته سهى، المولودة من رحم ريموندا الطويل، في العديد من المشاريع التجاريّة الكبرى، علاوةً على شراكاته التجاريّة الأخرى، سواءٌ مع الإسرائيليّ عومري أرييل شارون، أم مع غيره من "المتأسرئيليّين" العرب الذين غالبًا ما كانت العروبة تتقيّؤ بهم، بين الحين والآخر، على شاكلةِ أنصافِ رجالٍ وما دون ذلك وأكثر.
الفتحاويّون القدامى لا بدّ وأنّهم يتذكّرون أيضًا أنّ مسلسل التصفيات الذي استهدف رموزهم المقيمة أو العابرة في قبرص كان قد بدأ بشكلٍ خبيثٍ بعد مرور أشهرٍ قليلةٍ فقط على وصول موفد الراحل أبو جهاد إلى الجزيرة، وخصوصًا إثر اغتيال رئيس اتّحاد الكتّاب والصحفيّين الفلسطينيّين حنّا مقبل يوم الثالث من شهر أيّار عام 1984 داخل مكتبه في نيقوسيا، ومن ثمّ القياديّ عبد الله أحمد سليمان السعدي الذي اغتيل أثناء مروره بسيّارته على الطريق الرئيسيّ بين مدينة ليماسول الساحليّة والعاصمة نيقوسيا بعد نحو ثلاثة أسابيع، وتحديدًا يوم التاسع والعشرين من شهر أيّار عام 1984، تمامًا مثلما لا بدّ وأنّهم يتذكّرون أيضًا وأيضًا عدد المرّات التي تعرّضوا فيها لتحرّشاتٍ من جانب عملاء أجهزةِ استخباراتٍ مختلفةٍ بين أروقة قاعات الترانزيت في مطاريْ كلٍّ من أثينا وروما، وذلك أثناء سفرهم، من وإلى تونس، بالتذاكر المشتراةِ لهم من وكالة السفريّات القبرصيّة الكائنة على جهة اليمين من مدخل العمارة – الفخّ في شارع "ديغينيس آكريتاس" في نيقوسيا.
تسميم ياسر عرفات!
وإذا كان كلّ ما تقدّم يستهدف إلقاء الضوء على جانبٍ لطالما بقي مظلمًا من التاريخ الفلسطينيّ الحديث، فإنّ أهمّيّة الإشارة إليه في الوقت الحاليّ، تتمثّل في ضرورة العمل على إنعاش ذاكرة الفتحاويّين القدامى بقدر ما يستطيع المرء إلى ذلك سبيلًا، وخصوصًا في أعقاب التداول مؤخّرًا بالمعلومات الخطيرة التي تحدّثت عن ضلوع القياديّ المفصول من حركة فتح محمد دحلان في التسبّب بوفاة الرئيس ياسر عرفات، عن طريق قيامه باستبدال دواءٍ كان يتعاطاه الراحل بآخر مسموم، حسب ما نشره موقع "روسيا اليوم" أوّل من أمس الثلاثاء نقلًا عن "القناة العاشرة الإسرائيليّة"، ولا سيّما أنّ القياديّ المتّهَم كان وما زال على علاقةٍ وطيدةٍ مع صاحب الشخصيّة الغامضة الذي قُدِّر له يومًا أن يعزّز مواقعه على حساب الفتحاويّين القدامى، عن طريق إضافة صفرٍ واحدٍ على مستندٍ مشكوكٍ في صحّته أصلًا، يُثبت أنّ أبو صلاح اختلس ثمانين ألف دولار من الميزانيّة الشهريّة لمكتبه في "22 زالاغوستا ستريت" وليس ثمانية آلاف دولار، وهو صاحب الشخصيّة الغامضة نفسها الذي تتّهمه السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة حاليًّا بقضايا اختلاساتٍ ماليّةٍ عديدةٍ، من بينها قيامه مع اثنين من شركائه بسرقة مبلغٍ بقيمة ثلاثةٍ وثلاثينَ مليونًا ونصف المليون دولارٍ من صندوق استثمارٍ فلسطينيٍّ يموّله مانحون أجانب.
أمّا أبو صلاح، وقياسًا بكلّ ما ورد أعلاه، فقد بقي كفّه نظيفًا على الدوام، ولا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار أنّ مبلغ الثمانية آلاف دولارٍ الذي اتُّهِم باختلاسه، كان قد استُخدِم في الأصل لتمويل عمليّةٍ سرّيّةٍ لم يكن في الإمكان التصريح بها في حينه، نظرًا لأنّها هي التي وضعت حجر الأساس لما عُرف لاحقًا بـ "أنفاق رفح – غزّة"، بعد أن ظلّ سرّها محفوظًا، على مدى سنواتٍ وسنواتٍ، في انتظار ساعة الصفر لانطلاقة الانتفاضة الفلسطينيّة الأولى.. وللحديث عن المزيد من الوقائع حول تلك المرحلة الهامّة من التاريخ الفلسطينيّ الحديث، في ضوء التداعيات المرتقبة لقضيّة تسميم الراحل ياسر عرفات، وما لدى السلطات الروسيّة من معلوماتٍ بهذا الخصوص، سيكون هناك أكثر من تتمّةٍ وتتمّة.