بينما يتواصل الكرّ والفرّ في المواجهات الدائرة بين القوّات السوريّة ومسلّحي تنظيم "داعش" على جبهات القتال في محيط مدينة تدمر، وما يترافق مع ذلك من تباينٍ في المعلومات حول وتيرة المعارك والنتائج الميدانيّة التي أسفرت عنها لغاية الآن، فإنّ علامة الاستفهام الكبرى بخصوص ما يمكن وصفه بـ "الخرق الكبير" الذي تمكّن "الدواعش" من إحداثه في مدينةٍ كانت قد تحرّرت بالكامل من سطوتهم في شهر آذار الماضي، سرعان ما راحت تُرسَم بإلحاحٍ بعدما أعلن مصدرٌ عسكريٌّ روسيٌّ اليوم الأحد أنّ وسائط الاستطلاع كانت كشفت مؤخّرًا عن استقدام أكثر من خمسة آلاف مسلّحٍ إرهابيٍّ إلى الرقّة ودير الزور من مدينة الموصل العراقيّة، الأمر الذي أدّى إلى إفساح المجال أمام إرسالِ تعزيزاتٍ كبيرةٍ إلى تدمر، ولا سيّما أنّ العمليّات القتاليّة التي تنفّذها المجموعات المدعومة من الولايات المتّحدة والتحالف الدوليّ ضدّ الإرهابيّين في مناطق الرقّة كانت قد توقّفت بالكامل خلال الأسبوع الحاليّ.
على هذا الأساس، يصبح في الإمكان الجزم بأنّ المحاولات الجارية حاليًّا لإحداثِ خرقٍ داعشيٍّ في تدمر، تأتي بمثابةِ ردٍّ إقليميٍّ ودوليٍّ على الانتصارات المتتالية التي سُجِّلت لصالح سوريا وحلفائها في مجال السعي إلى إعادة بسط السيطرة على كامل تراب مدينة حلب، ولا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار أنّ بدء الهجمات على تدمر، كان قد تزامن في الأصل مع ما أعلنه المتحدّث باسم وزارة الدفاع الروسيّة الجنرال إيغور كوناشينكوف نهار أمس السبت عن أنّ القوّات السوريّة باتت تسيطر على نحو ثلاثة وتسعين في المئة من مساحة حلب، وتأكيده على خروج أكثر من عشرين ألف مدنيٍّ من شرق المدينة خلال النصف الأوّل من ساعات النهار، وكذلك على قيام أكثر من ألفٍ ومئتيْ مقاتلٍ بالانسحاب أيضًا بعد تسليم أسلحتهم، حسب ما أظهرته الصور الخاصّة بعمليّات الإجلاء من المناطق المحاصَرة التي تلتقطها عادةً طائراتُ مراقبةٍ من دون طيّار.
وإذا كان الجنرال الروسيّ قد شدّد على أنّ وحدات الجيش السوريّ ستواصل تحرير شرق حلب بعد إنجاز عمليّة خروج المدنيّين، ومن ثمّ إجبار المسلّحين على الخروج من المنطقة أو القضاء عليهم، فإنّ هجمات تدمر الحاليّة، لا بدّ وأن تندرج في سياق محاولةٍ مستميتةٍ تستهدف إعادة خلط الأوراق على الساحة السوريّة، عن طريق استنزاف قوى الارتصاف الروسيّ – الإيرانيّ – السوريّ التي ظهرت ملامح نصرها الأكيد مؤخّرًا، علمًا أنّ هذه المحاولة لم يكن ليقدَّر لها أن تبدأ في الأصل لو أنّ بعض الأطراف الدوليّة والإقليميّة التي تدّعي محاربة الإرهاب كانت جادّة أساسًا في هذه الحرب، قياسًا بما هو الحال عليه في دول الارتصاف المذكور.
ووفقًا لهذه الرؤية، يبدو في الوقت الراهن أنّ المدى الزمنيّ الذي يمكن أن تأخذه مواجهات تدمر الدائرة في هذه الأيّام سيبقى مستعصيًا على التقدير حتّى إشعارٍ آخر، وخصوصًا في ظلّ استمرار تجلّيات الكرّ والفرّ على خلفيّة الوقائع الميدانيّة المسَجَّلة خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، الأمر الذي يظهر بوضوحٍ من خلال آخر المعلومات الواردة من جبهات القتال بخصوص تمكُّن مسلّحي "داعش" من الدخول مجدَّدًا إلى الأحياء السكنيّة في المدينة التاريخيّة العريقة، وذلك على رغم تكبّدهم الليلة الماضية خسائرَ فادحةً بالأرواح والمعدّات، إثر الضربات الجوّيّة الروسيّة والسوريّة المكثّفة التي استهدفت مواقعهم، ما أسفر عن مقتل أكثر من ثلاثمئة مسلّحٍ وتدمير إحدى عشرة دبّابةً وعربةَ مشاةٍ، إضافةً إلى إحدى وثلاثين سيّارةً مجهّزةً بالرشّاشات.
وبحسب هذه المعلومات، فإنّ الجيش السوريّ يخوض حاليًّا المعركة في مواقع الدفاع داخل مدينة تدمر، بينما يواصل المسلّحون استخدام أسلوب الهجمات الانتحاريّة بالسيّارات المفخّخة والمدرّعات، علاوةً على القصف المركَّز بالراجمات، ولا سيّما أنّ مجموعاتٍ كبيرةً من "الدواعش" ما زالت تسيطر على عددٍ من النقاط والتلال في محيط المدينة وريفها.
وما بين هذا الكرّ وذاك الفرّ، يبدو أنّ باب التكهّنات بشأن مستقبل الحرب على الإرهاب، سواءٌ بنسختها الأميركيّة أم بنسختها الروسيّة، سيبقى مفتوحًا على مصراعيه إلى أمدٍ بعيد، ولا سيّما أنّ المعطيات المتوافرة في الوقت الحاليّ بشأن النتائج التي حقّقتها هذه الحرب لغاية الآن، ما زالت تُظهر يومًا بعد يومٍ أنّ كلّ ما جرى ويجري في ميادين القتال، لم يُسفِر في المحصّلة النهائيّة إلى دحر الإرهابيّين وإلحاق الهزيمة بهم، بقدر ما أدّى إلى إعادة تموضعهم في ميادينَ جديدةٍ على طول الامتداد الجغرافيّ بين العراق وسوريا.. وما مثلّث الموصل – الرقّة – تدمر إلّا أكبر دليل على ذلك!