لبنان بلد سياحي بامتياز، وقطاع السياحة عانى الأمرّين في السنوات الأخيرة، جرّاء الأزمة السياسية وتداعيات الحرب السورية على اقتصاده، بحيث أقفلت العديد من المؤسسات السياحية وصرفت أخرى أعداداً كبيرة من موظفيها، وافتقدت الفنادق روّادها الخليجيين.
اليوم وبالتزامن مع الإنفراج السياسي الذي بدأ بإنتخاب رئيس للجمهورية، وتكليف الرئيس سعد الحريري تأليف حكومة جديدة، عاد الدفء إلى العلاقات اللبنانية –الخليجية، فهل انعكس الإنفراج السياسي على نسبة الإشغال الفندقي عشية الأعياد، وهل عاد السائح الخليجي إلى لبنان؟
حالة الجفاء بين لبنان ودول مجلس التعاون الخليجي أصابت مقتلاً في الإقتصاد اللبناني، بحيث حذّرت الدول الخليجية رعاياها من السفر إلى لبنان في أعقاب الأزمة الأخيرة، وعرض الخليجيون أملاكهم للبيع، وباعوا منها ما نسبته 70 % في المناطق الجبلية و35 % في وسط بيروت، فيما النسبة المتبقية لم تجد شارياً، وانخفض حجم الشركات الخليجية من 18 % من حوالي أربع سنوات إلى 6 %، وتراجعت إيرادات خزينة الدولة السياحية إلى مستويات غير مسبوقة نتيجة انكفاء الخليجي.
الأشقر: إعادة النهوض لن تكون سوى بقدوم الخليجيين
اليوم البداية جيدة بنسبة إشغالٍ فندقي لامست الـ 90 %، ولكنّ الإزدهار السياحي يحتاج إلى جملة خطوات، أبرزها انطلاق عجلة الحكومة، ورأب الصدع مع الدول الخليجية. رئيس اتحاد المؤسسات السياحية ونقيب الفنادق في لبنان بيار الأشقر متفائل بالمرحلة المقبلة التي ستلي تأليف الحكومة، "ولكن اليوم الوضع ليس بأفضل حال. فنحن عشية الأعياد ونسبة الإشغال الفندقي التي وصلت إلى 90 %، يعيبها فترة الإقامة القصيرة للسائح، التي تترواح بمعظمها بين ثلاثة وأربعة أيّام فقط، إضافة إلى السعر المتدني للغرف".
الأشقر وفي حديث لـ " لبنان 24 " لفت إلى "أنّ الأسعار التي تدهورت خلال السنوات الخمس الأخيرة نتيجة الأزمة المعروفة، ما زالت متدنية بنسبة 30 % عما كانت عليه أيام الأعياد في السنوات 2008 ، 2009 و2010، ولم نتمكّن من إعادة الأسعار المعتمدة من قبل وزارة السياحة، والتي من شأنها أن تعود بالأرباح ".
الأشقر يلفت إلى أنّ الحجوزات تعود إلى سياح من جنسيات سورية وعراقية وأردنية ومصرية ، وقلّة خليجية. ويشير إلى أنّ نسبة الحجوزات ارتفعت هذه السنة مقارنة بالعام الماضي في الفترة نفسها، ولكنها ما زالت دون المطلوب "حيث أنّ نسبة الإشغال الفندقي في السابق، عندما كان لبنان وجهةً سياحية، كانت تصل إلى 76% على مدار السنة، وليس خلال فترة الأعياد فقط ".
وعن سبب غياب السائح الخليجي، على رغم الزيارات الرسمية التي قام بها عدد من المسؤولين الخليجيين للبنان، ورسائل الدعم السعودية والقطرية التي رافقت انتخاب العماد ميشال عون رئيساً، أوضح الأشقر أنّ الحظر الذي فرضته بلدان الخليج على زيارة رعاياها للبنان لم يُرفع رسمياً، "نتوقع عودة السائح الخليجي بعد تأليف الحكومة والقيام بزيارات رئاسية وحكومية إلى دول مجلس التعاون الخليجي، وبالتالي إعادة العلاقات إلى سابق عهدها مع دول الخليج، ستليها بطبيعة الحال اجراءات لرفع الحظر". ويضيف نقيب الفنادق أنّ لبنان يمثّل الوجهة السياحية الأفضل بالنسبة إلى السائح الخليجي، وإعادة النهوض بالقطاع السياحي لن تتحقق من دون الخليجي، الذي يقيم لأطول فترة في لبنان، تصل إلى شهرين وثلاثة، ويمتلك امكانات مادية .
ومما لا شك فيه أنّ الإستقرار النسبي الذي يعيشه لبنان، معطوفاً على إنجاز الإنتخابات الرئاسية، والتّحسن الذي طرأ على العلاقات اللبنانية - الخليجية، كلُها عوامل ساهمت في ارتفاع نسبة الإشغال الفندقي خلال فترة عيدي الميلاد ورأس السنة. وقد بادر اللبنانيون إلى تلقف الإشارات الإيجابية، فنظّموا حفلات فنية خاصة بالأعياد، وارتدت الأسواق حلّة العيد، وبدت مختلف المناطق اللبنانية جاهزة لإستقبال السياح، وكان لافتاً في هذا السياق تخفيف الإجراءات الأمنية من محيط المجلس النيابي تسهيلاً لحركة الزوار.
المؤشرات إيجابية وواعدة كما يقرأها رجال الإقتصاد، ولكن ترجمتها العملانية على أرض الواقع الإقتصادي لن تكون بين ليلة وضحاها، وهي بحاجة إلى اكتمال المشهد وانطلاق عجلة الدولة، وإجراء انتخابات برلمانية طال انتظارها. هذا في الشقّ المحلي، أمّا في الشقّ الخارجي، فلا يمكن إغفال أنّ لبنان يجاور أقاليم مشتعلة، تصل شظاياها الحارقة بين الحين والآخر إلى داخله.