قد يعتبر البعض أن في هذا العنوان بعض المبالغة والكثير من التجنّي وجلد النفس، ولكن من يتمعّن في التفاصيل وما فيها من شياطين يدرك أنه ينطبق على الواقع الذي نعيشه إلى حدّ كبير، وذلك نظرًا إلى ما فيه من مرارة وإلى ما فيه ممارسات قاتلة على مستوى الوطن، ككيان قائم بذاته، مع ما يعتريه من إعوجاج، وما يستتبعه من تداعيات تصل بطبيعتها إلى المنزلقات، التي يصعب الخروج منها بسهولة.
فالجريمة لا تعني فقط التعدّي على الآخر وحقوقه، وهي تبقى محدودة الأطر في الزمان والمكان، ولكن متى تصبح جماعية وعلى مستوى كل الوطن لا تعود محصورة بمكان محدّد ولا بالزمان، بل تصبح من النوع الذي لا يقبل الإستئناف، باعنتبارها جريمة موصوفة لا تحتاج إلى شهود، لأن أدلتها منها وفيها.
ومناسبة الحديث عما نقترفه من جرم في حقّ الوطن، الذي بالكاد يستطيع أن يقف على رجليه، إتصال وردني من صديق خليجي يسألني عن فيديو تمّ تداوله عن زينة الأعياد وما فيه من روعة الأضواء التي تبهر، وقال لي المتصل، وهو المحروم من زيارة لبنان الذي لم ير بديلًا منه، بحيث يشعر فيه العربي أنه في بلده، هل صحيح أن هذا الفيديو وتلك المشاهد هي حقيقة في لبنان؟
وبعد بحث وألف سؤال تبين أن هذا الفيديو هو في اسبانيا وليس في لبنان. فلو قلت له أن ما رأه من مشاهد هي فعلًا في لبنان فأنا واثق من أنه سيحزم حقائبه في الليلة نفسها ويتوجه إلى العاصمة التي لا تنام، والتي يحب ويشتاق ويحّن إليها، غير آبهٍ بالمحاذير والمحاظير، وهي بأسبابها غير موجودة إلاّ في مخيلة البعض ولأسباب بعضها معلوم والآخر مجهول.
ما أحاول قوله أننا، من حيث ندري أو لا ندري، نرتكب معصية في حق الوطن، ونحن جميعًا مسؤولون من دون استثناء عن جريمة لا نلقى عقابًا عليها، وهي أننا نمعن في توجيه الضربات إلى جسم الوطن الهزيل، ضاربين عرض الحائط ما نقترفه في حقه وكأنه عدّو لنا.
ومثالًا على ذلك أننا على عتبة أعياد يُعّول عليها كثيرًا لإنعاش السياحة عندنا، وهي حتى اليوم المورد شبه الوحيد، الذي من خلاله يمكن تحريك الدورة الإقتصادية، التي تعتمد في شكل أساسي على السائح الخليجي، الذي تفتقد إليه الساحة السياحية.
ولأننا على أبواب العيد، وبدلًا من استثمار عملية إنتخاب رئيس جديد للبلاد، بعد طول إنتظار، والإسراع في تأليف حكومة العهد الأولى، وإن كانت هذه التسمية لا تروق كثيرًا للبعض، وإعادة الثقة إلى الحركة السياسية وتحريك عجلة المؤسسات وضخ الحياة في شرايين الدولة وتشجيع السياح العرب على المجيء إلى لبنان، من خلال طمأنتهم وتبديد هواجسهم، ترانا لا نزال نتلهى بالقشور من دون الولوج إلى الجوهر، مع أن الأسماء المتداولة لتولي الحقائب الوزارية هي تقريبًا نفسها، ومن نفس الأحزاب والكتل.
فما بين الـ 24 وزيرًا وبين الـ 30 ضاعت الفرصة وتأخر التأليف وضاع موسم سياحي كان يعّول عليه كثيرون.