في سوريا.. لا يتواجد مدني ارهابي ولا ارهابي مدني، أي أن الارهابية والمدنية أصبحتا وجهة نظر. للأسف، لقد وصل حال الشعوب الى الشك حتى بالجثث المتناثرة في كل مكان، ورائحة الموتى، وصراخ طفل يتيم، والمستشفيات والاطباء والجرحى والمقابر والدمى. فلربما تلك الاجساد المتفحمة هي ارواح متطرفة لا يحق لها أن تعيش، ولعلها بعد اعوام آتية ستتحول الى اداة تخدم "الارهاب والارهابيين"، فما الحل إذاً؟ إبادة جماعية وانتهى! أما في ما يخص الضمير العربي، فإن نعمة النسيان تتكفل به، كما تكفلت بالحروب السابقة. للأسف، كل ما سبق تحول الى واقع اعتيادي وحوادث انسانية عابرة، ولعل ما يزيد من حالة الضياع في وطننا العربي هي تلك القنوات المأجورة واصحاب الاقلام المتحيزة، التي تحرّف الوقائع وتبدلّ التاريخ بفوتوشوب اعلامي.. وصورة كاذبة!
ولأنه من الصعب ادراك الحقيقة وسط هذا الضجيج، خاصة في تلك اللحظة التي تُضَخ فيها المادة السامة، إن كانت عبارة عن خبر كاذب أو صور مفبركة أو تحليل ضال، فإنه من المهم إدراك خطورة مضمون هذه المادة في تأجبج الاحتقان، وما يتبعه من مجازر وجرائم حرب متتالية، قد تمحى معها أحياءً وبلاد ويباد شعب باكمله، ولمن يتغنى بقوة الاعلام وسلطته التي في كثير من الاحيان تأخذ دور الدولة وتنقلب عليها، فمن المهم أيضاً ادراك الوجه الآخر السلبي لتلك القوة، التي تعتبر المتهم الاول والمسؤول الأبرز عن حالة التشرذم الحاصل بين "من مع ومن ضد"، خدمةً لطرف دون آخر، والدليل "كذب بصورة عن حلب".
من مسرح الدم الى المسرح الاعلامي، حيث برزت الفبركات التي تخدم اهداف خبيثة، وهي إحدى الصور النمطية التي باتت تفصيلاً مكرراً بعد كل معركة، فمثلاً تُعرض صورة على أهم القنوات لمقاتل سوري يساعد إمرأة نازحة من أحياء حلب الشرقية، ليتبين أنها تابعة لمقاتل من الحشد الشعبي في الفلوجة، ثم تنشر اعلاميات صوراً للانتهاكات الانسانية في حلب، ليظهر في ما بعد أن الصور تابعة لمعارك أخرى في أفغانستان!
الواقع الافتراضي ليس أفضل حالاً من الواقع الاعلامي، ففي حين نشر أحد النشطاء صورة بعنوان "جثث أطفال أعدمهم بشار الاسد في شوارع حلب"، بعد بحث بسيط، تظهر الصورة نفسها على أنها توثق مجزرة لتنظيم "داعش" بحق الاكراد بريف الحسكة. صورة أخرى عن طفلة تمشي وسط الجثث قيل أنها تبحث عن أفراد عائلتها المعدومين، علماً أن الصورة استخرجت من فيديو كليب أغنية "الربيع العربي".
وهنا يبرز سؤال مشروع، ماذا عن فيديوهات "الصرخة الاخيرة" التي أطلقها عدد من المدنيين والاجانب المحاصرين في حلب تحت عنوان "حلب تباد"؟ هل هي أيضاً كذبة؟
هكذا إعلامياً وافتراضياً، الكل وقع في فخ التضليل، حتى اصبحت الحقيقة اشبه بحكاية اسطورية تاريخية لا مصدر لها ولا اسم ولا عنوان. وهنا لا بد للعقل المتخيل أن يتصور نسب المشاهدين الذين تأثروا من تلك الاصدارات المشكوك بأمرها، في زمن أصبح المؤتمنون عن مهنة الاعلام هم الاكثر تحيزاً، وما يتبعها من احقاد تتفاقم وانقسامات تتوسع.
صحيح أنه في الحرب لا حقيقة مطلقة، لكن أليس دور الاعلام ورسالته هو تقريب وجهات النظر وادماج الوقائع بموضوعية، وهو أمر مفقود مفقود مفقود في مجتمعنا المقسم عقائدياً ومذهبياً وطائفياً وفكرياً واجتماعياً وسياسياً، وتحول الى فيدرالي الحكم دون الاعتراف بالامر شفهياً. ففي سوريا بالتحديد الكل معرض للخداع البصري والسمعي الذي لا يؤدي الا الى مزيد من التشتت والاحتقان. حلب مثلاً هي نموذج من معارك اخرى كانت مسرحا للدماء من جهة والفبركات من جهة اخرى، حتى باتت اشكال الاستغلال الشعبي أوحش من الحرب بكل بشاعتها والدمار الذي تخلفه وراءها. الكل يسأل ماذا يجري حقا في ارض المعركة في زمن التضليل والفوتوشوب؟
.. نعم الاعلام والحرب هما وجهان لعملة واحدة، الحبر والدم.