يتأخر الإعلان عن التشكيلة الحكومية لأسباب وأسباب، من التباين حول عدد الوزراء بين حكومة الـ24 وزيرا وحكومة الـ30 وزيرا، مرورا بعقد الحقائب، ومنها على طريق الحلحلة كما هي الحال بالنسبة لحقيبة "المردة"، والبعض الآخر لا يزال قيد الدرس ومن ضمنها عقدة وزارة العدل التي يبدو أنّ الزعيم الدرزي وليد جنبلاط بات متمسكا بها، وصولا الى قانون الانتخابات النيابية وارتداداته المباشرة وغير المباشرة على تأليف الحكومة.
العقد حلّت.. وهذا ما حققناه
لكن، وبالرغم من التأخير والمماطلة، يردّد السياسيون بالاجمال تفاؤلهم بقيام الحكومة في فترة وجيزة، قبل انقضاء الشهر الجاري وحلول الأعياد. وفي أوساط التيار العوني، يكاد يتصاعد الدخان الأبيض من جراء ما قد يصفه بعض المتشائمين بالافراط في التفاؤل في الصفوف البرتقالية، حيث يردّد عدد من المسؤولين بأن ما بقي تفاصيل تناقشها الأطراف المعنية، وأن لا مشاكل أساسية بل عقد قد عولجت واحدة تلو الأخرى وقد بات الفرج قريبا.
واللافت في مساعي تشكيل الحكومة ما يقوله مصدر رفيع في التيار العوني حول أنّ ما يجب التوقف عنده في المسار الحكومي ليس تفاصيل التشكيل بل المغزى العام لهذا المسار وما أدّى اليه من "تصويب للأمور" وللمعادلة السياسية في البلاد. فلا أحد يملي علينا أي حقائب نتولّاها أو يختار وزراءنا نيابة عنّا، ومن أراد انتقاص وزارة من حصتنا لاسترضاء حليف من هنا أو هناك عليه أن يتنازل عن حقيبة من العيار نفسه في المقابل، وهذا مبدأ عام قد تمّ تكريسه بالتعاطي السياسي في مساعي التشكيل، بحسب ما يقوله المصدر.
ويشدّد المصدر أن التيار لم يكن يوما معارضا لفكرة إيلاء حقيبة وزارية لنائب زغرتا سليمان فرنجية رغم الخصومة السياسية التي بلغت ذروتها بين الطرفين على خلفية الانتخابات الرئاسية، لا بل أنّه، أي التيار، ذهب أبعد من ذلك تأييداً لمبدأ حكومة الوفاق الوطني، ساعيا الى ادخال حزب "الكتائب" أيضاً في التشكيلة الحكومية ولو أنّ موقف رئيس الحزب سامي الجميّل من التيار ومن العهد معروف ولن يتغيّر، كلّ ذلك من منطلق سعي التيار الجاد من أجل حكومة وحدة ووفاق، على أن يتمثل فيها كلّ واحد بحسب حجمه.
ويبدو أنّ ترسيخ هذه المبادئ العامة اثناء مساعي التشكيل قد تجاوز من حيث الأهمية موضوع التشكيل نفسه بالنسبة الى الثنائي المسيحي والتيار خاصة، اذ لا جواب واضحاً لدى أحد حول متى تصل الأمور الى خواتمها في مسألة التشكيل، بالرغم من التخفيف من شأن المشاكل العالقة في هذا الإطار والتطلع الى الأسبوع المقبل كموعد جديد للتأليف.
الانتخابات: لا للستين ولا للتأجيل
وأما بالنسبة لقانون الانتخاب، فيسود اقتناع في محيط الثنائي المسيحي أن لا علاقة لهذا الموضوع بتشكيل الحكومة، على غرار ما قاله أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله بأنّ الموضوعين منفصلين. وفي هذا المحيط، تؤكد بعض الأوساط العونية أن لا نية لدى أحد لتطيير المهل الدستورية من أجل تأجيل الانتخابات، الا أنّ التأجيل قد يفرض نفسه اذا تعثّر الاتفاق على قانون جامع بحسب ما يقوله مصدر معني بالمساعي القائمة حاليا للتوصل الى حلّ حول هذه المسألة. ويؤكّد هذا المصدر أنّه في كلّ الأحوال، لا مجال لإجراء الاستحقاق النيابي المقبل على أساس الستين. وأمّا المصدر العوني الرفيع فيجزم أن لا تأجيل للانتخابات ولا انتخابات على أساس قانون الستين، بل قانون جديد مختلط بين النسبي والأكثري، والاستحقاق النيابي في موعده.
وترى أوساط تحالف معراب أن الحريري، وان كان أساسا في طليعة المطالبين بالإبقاء على الستين، الّا أنّه قد بات منفتحا على اقتراحات أخرى تتضمّن مبدأ النسبية، فهو يستطيع أن يؤمن ربحه النيابي على أساس قانون مختلط عبر تحالفات انتخابية قد تكون أكثر إفادة له من أي تحالف يقيمه تحت سقف الستين.
وبعيدا عن هذه الأجواء والتأكيدات، ثمة من يصرّ على عكس هذا الكلام تماما، جازمين أن الحريري يسعى الى تأجيل الانتخابات النيابية، وهو يريد كسب الوقت - أو اضاعته- حتى تحقيق هذه الغاية. ومؤيدو هذه النظرية يؤكدون أنّه عندما زار الرئيس المكلّف رئيس الجمهورية ميشال عون في قصر بعبدا منذ يومين، كان يحمل في جعبته لائحتين، إحداهما غير مكتملة لصيغة الـ 24 وزيراً، والثانية غير نهائية لصيغة الـ30 وزيرا، على أساس أن زيادة عدد الوزراء يتطلّب اعادة النظر بتوزيع الحقائب. وكلتا الحالتين، ان دلّتا على شيء، فعلى نية واضحة لدى الحريري "بشراء" بعض الوقت لنفسه بغية المراوغة في التشكيل حتى تطيير المهل الدستورية للدعوة الى اجراء الانتخابات النيابية وبالتالي تأجيل الاستحقاق النيابي. وتشير المصادر المقتنعة بهذه النظرية أنّ لدى الحريري "خطة بديلة" في حال لم يستطع المماطلة بما فيه الكفاية في موضوع التأليف، فهو لن يتردّد في هذه الحالة عن الاعتذار عن التشكيل، ليعاد تكليفه بعد جولة جديدة من الاستشارات النيابية اذ لا بديل له في ظلّ الظروف الإقليمية الدقيقة والمعادلة الداخلية الحالية القائمة على توازن سياسي هشّ. عندئذ، يعيد الحريري عقارب التشكيل الى ساعة الصفر، متحرّرا من كلّ الشروط والاتفاقات المسبقة، ويفتح بابا جديدا للتفاوض على شكل الحكومة وحقائبها، وفي كلّ ذلك مزيد من الوقت الضائع وتأجيل أكيد للانتخابات.