في مثل هذا اليوم من عام 2002، وبعدما كان الأوروبيّون قد توسّموا فيه خيرًا على خلفيّة ظهور العديد من مؤشّرات التغيير التي ترافقت مع بدايات عهده، قُدِّر للرئيس السوريّ بشّار الأسد أن يختتم زيارة رسميّة لبريطانيا استغرقت ثلاثة أيّام، وحلّ خلالها ضيفًا برفقة عقيلته السيّدة أسماء على الملكة إليزابيث الثانية في قصر باكينغهام التاريخيّ العريق، وذلك في بادرةٍ دلّت على حجم الرغبة في حثّ هذا الشاب البالغ من العمر سبعة وثلاثين عامًا على مواصلة السباحة ضدّ تيّار "الحرس القديم" الذي كان يعاكسه بشدّةٍ وقتذاك، أملًا في أن يؤدّي مثل هذا الدعم المعنويّ إلى تعزيز فرص نجاحه في مجال الانتقال ببلاده من طور الحكم التوتاليتاريّ الشموليّ إلى طور الحكم الديمقراطيّ التعدّديّ، ولا سيّما أنّ صاحبة الجلالة الموقَّرة لم تكن قد استقبلت في مقرّ عرشها الملكيّ أيّ رئيسٍ للجمهوريّة العربيّة السوريّة من قبل.
لا شكّ في أنّ الآمال كانت معلَّقة خلال تلك المرحلة على وجوب إيجاد بيئةٍ دوليّةٍ حاضنةٍ ومناسِبةٍ لضمان استمراريّة ما سُمِّي في حينه بـ "ربيع دمشق"، نسبةً إلى الخطوات الجريئة التي كان الأسد قد أقدم عليها في بداية ولايته الرئاسيّة الأولى، وخصوصًا عندما أظهر براعة فائقة في قيادة عمليّة التحوّل المبرمَج في بلاده من سياسة الاقتصاد المخطَّط المغلق إلى سياسة اقتصاد السوق المفتوح، سواءٌ من جهة السماح للمصارف الأجنبيّة بافتتاح فروعٍ لها داخل سوريا، أم من جهة السماح للمواطنين السوريّين بفتح حساباتٍ مصرفيّةٍ بالعملات الأجنبيّة، الأمر الذي كان كافيًا وقتذاك لكي يجذب المستثمرين الأوروبيّين إلى ما من شأنه أن يجعل بقيّة الفصول السوريّة واعدةً وخيِّرةً، لولا التطوّرات المفاجئة التي استجدّت لاحقًا على المناخ الإقليميّ برمّته، جرّاء المغامرة العسكريّة المشبوهة التي خاضها الرئيس الأميركيّ جورج دبليو بوش في العراق عام 2003، والتي ما زالت آثار تداعياتها السلبيّة مطبوعةً على جبين كلّ مواطنٍ عربيٍّ لغاية يومنا الراهن.
في هذا السياق، لا بدّ من الإشارة إلى محطّةٍ مفصليّةٍ هامّةٍ لطالما تمّ تجاوزها في التاريخ السوريّ الحديث، وتتمثّل في أنّ الرئيس الأسد، وإنْ لم يكن عصر سيره على السجّاد الأحمر في القصور الملكيّة قد بدأ أصلًا في حضرة بلاط الملكة إليزابيث الثانية في لندن وإنّما في بلاط الملك الإسبانيّ خوان كارلوس في مدريد قبل نحو سنتين من ذلك، إلّا أنّ خصوصيّة زيارته لبريطانيا، وعلاوةً على البُعد المعنويّ لفنجان الشاي الذي تناوله بصحبة السيّدة السوريّة الأولى بعد ظهر يوم السابع عشر من شهر كانون الأوّل عام 2002 في قصر باكينغهام، وفقًا للتقاليد الإنجليزيّة المتوارَثة أبًا عن جَدّ، قبل التوجّه للقاء الأمير تشارلز في قصر سانت جيمس، كانت قد تجلّت في بُعدها السياسيّ أثناء اجتماعه في اليوم السابق مع رئيس الوزراء طوني بلير في "10 داونينغ ستريت"، ولا سيّما بعدما أظهر الطرفان حرصًا لافتًا على تفادي التطرّق إلى المسائل الخلافيّة بين لندن ودمشق حول المسألة العراقيّة والقضيّة الفلسطينيّة وملفّ الإرهاب، ولدرجةٍ دفعت بلير إلى التأكيد على أنّه "من المهمّ إقامة حوارٍ مع سوريا مهما كان مستوى الخلافات في وجهات النظر"، على حدّ قوله.
قشرة الموز الأميركيّة!
في ذلك اليوم، كان لا بدّ للرئيس السوريّ الشابّ من أن يشعر بزهوٍّ يتناسق إلى درجة الانصهار مع طموحاته الهادفة إلى بناء دولته على أسسِ معاييره التغييريّة الجديدة، من دون أن يدرك، ولو للحظةٍ واحدةٍ، أنّ الغزل الذي سمعه للتوّ في مقرّ الحكومة البريطانيّة، كان موجَّهًا في الأصل، عبره، إلى حرس والده القديم، أملًا في تسهيل مهمّة إقناعه وإقناعهم بالمشاركة في التحضيرات التي كانت جاريّةً على قدمٍ وساقٍ تمهيدًا لغزو العراق بعد أشهرٍ قليلةٍ من عام 2003، على غرار ما كان قد حدث عندما تمكّن بوش الأب من إقناع الأسد الأب بالمشاركة في قوّات التحالف الدوليّ التي أخذت على عاتقها تحرير الكويت من الغزو العراقيّ في إطار عمليّة "عاصفة الصحراء" عام 1991، ولا سيّما أنّ طوني بلير نفسه كان قد قطع لتوّه أيضًا، أي أثناء لقائه مع بشّار الأسد عام 2002، شوطًا طويلًا في ميدان تعزيز الشراكة الاستراتيجيّة بين واشنطن ولندن، وهي الشراكة التي كانت تسمح للبريطانيّين بأداء دور الأميركيّين في المناطق التي يصعب على الولايات المتّحدة التحرّك فيها بأريحيّةٍ، ومن بينها سوريا بالطبع.
وإذا كانت كافّة الشواهد التاريخيّة قد دلّت على أنّ إدارة الرئيس بشّار الأسد بقيت مستعصيةً في البداية على الانصياع لإبرة البوصلة الأميركيّة – البريطانيّة في العراق، فإنّ هذه المناعةَ المكتسَبةَ عن جدارةٍ، سرعان ما راحت تتلاشى بشكلٍ تدريجيٍّ بالتزامن مع التطوّرات المتسارعة التي استجدّت على الساحة السوريّة جرّاء النتائج الكارثيّة المترتِّبة عن الغزو، وعلى رأسها أزمة نزوح آلاف العراقيّين وما نجم عنها لدى قيام عدّة رموزٍ يُقال إنّها تنتمي إلى "الحرس القديم" بفتح أسواقٍ للمضاربة في القيمة المضافة لأسهم هؤلاء الوافدين الجدد، سواءٌ من جهة التلاعب بأسعار العقارات ولوازم الحياة اليوميّة ومشتقّاتها، أم من جهة اللعب بحياة الناس على حبال خطّ "الجهاد" الكاذب ما بين باب توما وما بين الفلّوجة، الأمر الذي بدا وكأنّه قشرة موزٍ أميركيّة أدّت إلى تزحلق إصلاحات الرئيس الأسد وتعثّرها، ولو إلى حين، ولا سيّما أنّ أصابع الاتّهام بشأن الفساد الذي استشرى في البلاد جرّاء تداعيات الحالة العراقيّة كانت قد وُجِّهت بشكلٍ مباشِر إلى أقرب المقرَّبين إليه، بمن فيهم عددٌ من أفراد عائلته.
ساركوزي على الخطّ!
لا شكّ في أنّ جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبنانيّ الراحل رفيق الحريري يوم الرابع عشر من شهر شباط عام 2005 كانت قد زادت الطين بلّة، ليس على الوضع الداخليّ السوريّ وحده وحسب، وإنّما على مسار العلاقات التقليديّة القائمة ما بين دمشق وما بين معظم عواصم دول العالم، وعلى رأسها واشنطن التي لم تتردّد في المسارعة إلى الاستثمار في الاتّهامات الموجَّهة إلى عددٍ من المسؤولين الرسميّين في إدارة الرئيس بشّار الأسد بشأن الاشتباه بضلوعهم في عمليّة الاغتيال، وذلك عن طريق قيامها بممارسة المزيد من الضغوط على تلك الإدارة، أملًا في تطويعها للعمل بما يتناسق مع خططٍ أميركيّةٍ جديدةٍ تمّ استحداثها، بحكم الضرورة القصوى، في بلاد الرافدين، وخصوصًا بعدما أدّت نتائج أوّل انتخاباتٍ برلمانيّةٍ عراقيّةٍ أُجريت خلال مرحلة ما بعد الإطاحة بنظام الرئيس الراحل صدّام حسين يوم الخامس من شهر كانون الثاني عام 2005، أي قبل شهرٍ وتسعةِ أيّامٍ من اغتيال الشهيد الحريري، إلى فوز قائمة الائتلاف العراقيّ الموحّد بزعامة الراحل عبد العزيز الحكيم (توفيّ عام 2009) على قائمة رئيس الوزراء المؤقَّت أياد علاوي، ولا سيّما أنّ القائمة الفائزة كانت مدعومة وقتذاك من المرجع الشيعيّ الأعلى في الحوزة العلميّة في النجف السيّد علي الحسيني السيستاني.
وإذا كان تحديد هويّة الجاني في قضيّة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه في بيروت لا يزال رهنًا بمداولات المحكمة الدوليّة الخاصّة بهذه الجريمة، والمتواصلة منذ أكثر من عشر سنوات، فإنّ الضغوط التي مارستها الولايات المتّحدة على سوريا، من خلال تسييس خلفيّات هذه القضيّة، سرعان ما أثبتت جدواها داخل أروقة قصر الشعب في دمشق، ليس عن طريق النجاح في تحويل الحدود السوريّة – العراقيّة إلى ممرٍّ آمنٍ لـ "الجهاديّين" الذين استهدف الأميركيّون من وراء غضَ النظر عن تنشيط دورهم في محافظة الأنبار العمل على تشويه صورة وسمعة المقاومين العراقيّين الحقيقيّين هناك وحسب، وإنّما عن طريق إيصال زهوّ الرئيس الأسد نفسه برضى الإدارة الأميركيّة عن تعاونه إلى حدٍّ، لا بدّ وأنّه نادمٌ عليه في الوقت الراهن حتّى النخاع، وذلك عندما ارتكب خطأً فادحًا لدى ردّه على سؤالٍ لمندوب التلفزيون الفرنسيّ، قبيْل وصول الرئيس نيكولا ساركوزي في زيارته الثانية لدمشق في شهر كانون الأوّل عام 2009، عمّا إذا كان يرى أيّ فرصٍ لنجاح مؤتمر السلام في الشرق الأوسط الذي كان وزير الخارجيّة الروسيّ سيرغي لافروف قد دعا إلى عقده في موسكو إثر تعثّر مؤتمر أنابوليس في الولايات المتّحدة في وقتٍ سابقٍ من عام 2008، حيث قال الرئيس الأسد ما حرفيّته: "وما الجدوى من مؤتمرٍ يُعقَد في العاصمة الروسيّة طالما أنّ كافّة أوراق العمليّة السلميّة موجودةٌ في أيدي الأميركيّين"!
انتصار حلب الأخير
وإذا كانت السطور لا تتّسع في هذه العجالة للخوض في كافّة تفاصيل الذنوب التي اقترفها العرب بحقّ بعضهم البعض على مدى السنوات الستّ الماضية، بدءًا من تونس، مرورًا بمصر وليبيا واليمن، ووصولًا إلى سوريا، فإنّ خلاصة القول من كلّ ما تقدّم ذكره، تتمثّل في أنّ الزهوّ الحاليّ الذي يتجلّى في نبرة الرئيس السوريّ على إيقاع نشوة النصر الذي تمكّن من تحقيقه في معارك حلب الأخيرة، لن يصبح زهوًّا دائمًا ومستدامًا ما لم يعترف بمكامن الأخطاء التي ارتكبها في السابق في مجال تحديد أولويّات علاقاته الداخليّة والإقليميّة والدوليّة، وخصوصًا إذا أخذ في الاعتبار أنّ أكثر ما ظلّ يجمع بين دمشق وواشنطن طيلة فترات ولاياته الرئاسيّة المتتالية منذ عام 2000 ولغاية اليوم، لا يتعدّى كونه جسرٌ لطالما سوِّقت المؤامرات المتبادَلة فوقه ما بين الطرفين.
وعلى هذا الأساس، صحيحٌ أنّ حلب ما قبل الانتصار ليست مثل حلب ما بعد الانتصار، تمامًا مثلما قال الرئيس الأسد قبل عدّة أيّام، ولكن الصحيح أيضًا هو أنّ سوريا ما قبل بدء العمليّات العسكريّة الروسيّة لن تكون مثل سوريا ما بعد انتهاء العمليّات العسكريّة الروسيّة.. وعسى أن تدرك القيادة السوريّة هذه الحقيقة جيّدًا وتأخذها على محمل الجدّ، لكيّ يصبح في الإمكان القول حقًّا إنّ القطار السوريّ يسير في الاتّجاه الصحيح على سكّة السلام والرخاء والاستقرار، بعيدًا عن أيّ مغامراتٍ غيرِ محسوبةٍ، وغيرِ محمودةِ العواقبِ في أيّ شكلٍ من الأشكال.
(جمال دملج - كاتب متخصّص في الشؤون الروسيّة)