بينما يستمرّ الجدل حول الخرق الأمنيّ الكبير الذي أدّى إلى تنفيذ جريمة اغتيال السفير الروسيّ الراحل أندريه كارلوف في العاصمة التركيّة يوم التاسع عشر من الشهر الحاليّ، وما يترافق مع ذلك من تساؤلاتٍ وتكهّناتٍ بشأن الغموض الذي لا يزال يكتنف لغز هذه الجريمة، سواءٌ من جهة الظروف التي سهّلت عمليّة تنفيذها أم من جهة الدوافع والأهداف الحقيقيّة التي تقف وراء ارتكابها، فإنّ أبرز ما كان لافتًا في إطار المساعي المبذولة من أجل فكّ الرموز المعقَّدة لذلك اللغز، سرعان ما تجلّى في وقتٍ مبكرٍ من فجر اليوم الخميس، وذلك بعدما نشرت صحيفة "خبر تُرك" إجابةً منطقيّةً على سؤالٍ لطالما حيَّر المهتمّين بطرحه أثناء بحثهم عن الأسباب التي دفعت قوّات الأمن التركيّة إلى قتل منفّذ جريمة الاغتيال مولود آلطنطاش وليس إلى اعتقاله حيًّا، ولا سيّما أنّ هذه الإجابة يمكن أن تخفِّف من حدّة الانتقادات الموجَّهة لتركيا بخصوص طريقة تعاطيها "غير الاحترافيّة" مع تداعيات ذلك الحدث المأساويّ الخطير.
وبحسب ما نقله موقع "سبوتنيك" الإخباريّ الروسيّ عن "خبر تُرك" حول هذا الموضوع، فإنّ الصحيفة التركيّة التقت مع المسؤولين في الوحدة الخاصّة التي تدخّلت أثناء وقوع الهجوم، بمن فيهم عناصر شرطة المرور وحرّاس أمن السفارات في المنطقة، حيث أكّد الجميع أنّ الرصاصة الأولى التي تمّ إطلاقها على آلطنطاش أصابته في كاحله، سعيًا إلى الحدّ من حركته، ودفعه بالتالي على الاستجابة لنداءاتهم من أجل تسليم نفسه، ولكنّه سرعان ما ردّ صارخًا: "لقد جئت إلى هنا للموت"، قبل أن يحاول مدّ يده إلى جيبه في حركةٍ أوحت بأنّه يستعدّ لتفجير قنبلةٍ أو عبوةٍ ناسفة، الأمر الذي أجبرهم على إطلاق المزيد من العيارات الناريّة القاتلة "حفاظًا على المدنيّين الموجودين في المكان"، ولا سيّما أنّ الانطباع الأمنيّ الأوّليّ الذي كان قد تكوّن لتوّه وقتذاك، لم يَستبعِد فرضيّة أن يكون مسرح الجريمة مفخَّخًا مسبَقًا، قبل الشروع بتنفيذ عمليّة اغتيال السفير الروسيّ المغدور.
وإذا كان اثنان لا يختلفان على أنّ هذه الوقائع تجسِّد سلوكًا أمنيًّا متعارَفًا عليه في الدوائر المعنيّة بمكافحة الجريمة والإرهاب في مختلف أنحاء العالم، فإنّ ذلك لن يلغي بالطبع أهميّة الإصرار على طرح السؤال الأكبر المتعلّق بالشقّ الأمنيّ من جريمة الاغتيال، وخصوصًا من جهة ما إذا كان السفير كارلوف قد حظيَ يومذاك بمواكبةٍ أمنيّةٍ تركيّةٍ أو روسيّةٍ لدى توجّهه إلى صالة معرض الصور في أنقرة، قياسًا بما يُفترَض أن يكون عليه الحال في الدول غير المستقرّة أو الموبؤة بالإرهاب، مثل تركيا، ولا سيّما أنّ هذا السؤال ما زال من دون إجاباتٍ شافيةٍ لغاية الآن، على رغم أهمّيّته البالغة في مجال الدفع في اتّجاه التسليم أو عدم التسليم بإمكانيّة حدوث خرقٍ استخباراتيٍّ خطيرٍ للأجهزة الأمنيّة التركيّة والروسيّة، على حدٍّ سواء، لو كانت تلك المواكبة متوفِّرة يوم وقوع الجريمة بالفعل.
عمل فرديّ أم جماعيّ؟
على هذا الأساس، يصبح في الإمكان الاقتناع بما نقلته صحيفة "خبر تُرك" اليوم أيضًا عن لسان المسؤولين في الوحدة الخاصّة التي تعاطت ميدانيًّا مع عمليّة الاغتيال، وخصوصًا عندما أوضحوا أنّه من السابق للأوان الحديث في الوقت الحاليّ عن خلفيّة المنفِّذ التنظيميّة، أو الكشف عن الجهات التي ساعدته على تنفيذ جريمته، قبل انتهاء المحقّقين من تحليل كافّة الأرقام والمعلومات المسجَّلة في هاتفه النقّال وحاسوبه الشخصيّ، علمًا أنّ تنظيم "فتح الشام" كان قد أعلن في بيانٍ منسوبٍ إليه يوم أمس الأربعاء مسؤوليّته عن العمليّة، ولكن من دون أن يحظى هذا الإعلان بأيّ ردود أفعالٍ لافتةٍ عليه، وبالأخصّ في موسكو وأنقرة.
وإذا كانت الدوائر الرسميّة التركيّة ما زالت ميّالةً حتّى الآن إلى اتّهام الداعية الإسلاميّ المقيم في الولايات المتّحدة فتح الله غولن بالوقوف وراء تنفيذ جريمة اغتيال السفير كارلوف، فإنّ اللافت في بعض المواقف والتحليلات التي أتت على ذكر الأميركيّين في سياق التطرّق إلى حيثيّات تلك الجريمة، كان قد تجلّى بوضوحٍ من خلال عدم استبعاد إمكانيّة تورّط واشنطن فيها، وذلك من أجل إعادة توتير العلاقات المتفاعلة إيجابيًّا وباضطرادٍ بين موسكو وأنقرة، حسب ما جاء على لسان الباحث المصريّ في جامعة "نيجني نوفغورود" الروسيّة عمرو الديب في حديثٍ خاصٍّ لوكالة "سبوتنيك" الإخباريّة.
ولعلّ اللغة التهكّميّة التي اتّسم بها آخر مقالٍ نشرته البارحة صحيفة "نيويورك ديلي تايمز" الأميركيّة حول عمليّة الاغتيال، لا بدّ من أن تشي بحجم الخيبات المتالية التي يشعر بها الأميركيّون جرّاء النتائج الميدانيّة التي أسفر عنها التقارب الروسيّ – التركيّ على جبهات القتال في سوريا، وخصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أنّ كاتب المقال جيرش كونتسمان، لم يتردّد في القول إنّ هذه العمليّة جاءت انتقامًا لما وصفه بـ "جرائم بوتين في سوريا"، حيث لا حاجةَ لـ "ذرف للدموع"، قبل أن يتمادى في الوقاحة إلى درجةٍ خوّلته للتشبيه ما بين اغتيال السفير الروسيّ أندريه كارلوف في أنقرة يوم الاثنين الماضي وما بين اغتيال الديبلوماسيّ الألمانيّ إرنست فوم راث في باريس عام 1938، وذلك على أساس أنّ الأخير "قتل الطلبة اليهود مجسِّدًا فظائع (أدولف) هتلر والإبادة الجماعيّة ومعاداة الساميّة"، على حدّ تعبيره.
وقاحةٌ.. لا بدّ من أن ترتدّ على مثل هذه الصحيفة الأميركيّة عاجلًا أم آجلًا، وخصوصًا إذا ما قُدِّر لها أن تعود إلى أرشيفها يومًا، لتجد أنّ الرئيس الروسيّ فلاديمير بوتين، كان قد دعا في الخطاب الذي ألقاه أمام الجمعيّة العامّة للأمم المتّحدة في شهر أيلول من العام الماضي إلى تشكيل جبهةٍ عالميّةٍ موحَّدةٍ لمكافحة الإرهاب، على شاكلة التحالف الذي تشكّل ضدّ النازيّة إبان الحرب العالميّة الثانية، وذلك أملًا منه في تصويب إبرة بوصلة الحرب الأميركيّة على الإرهابيّين .. ولكن إلى أن يتحقّق ذلك، وحتّى إشعارٍ آخر، لن يصحّ في الوقت الراهن سوى القول إنّه شتّان ما بين دولةٍ تحارب الإرهاب وما بين دولةٍ تداعبه، وشتّان ما بين دولةٍ تصنع الأبطال وما بين دولةٍ أبطالها من ورق.. وعلى الورق!
(
جمال دملج - كاتب متخصّص في الشؤون الروسيّة)