تجلّى الانقسام المسيحي بين الوجوه القوية للطائفة على وقع تشكيل الحكومة، وتحديدا بين الأفرقاء الأربعة الذين كانوا لفترة طويلة قبل انتخاب رئيس الجمهورية المرشحين االمحتملين الى الرئاسة الأولى كونهم الأقوى على الساحة المسيحية. فبينما ازدادت اللحمة بين التيار العوني وحزب "القوات اللبنانية" كما برهنت التطورات، ولو أن كلّاً من الطرفين تمسّك بحقوقه الى أقصى الدرجات أثناء التأليف راميا على عاتق الثاني مسؤولية التنازلات لصالح المسيحيين الآخرين، انضمّ النائب سليمان فرنجية الى الفريق الشيعي لفترة لا تبدو آنية، بل أنّها قد تطول الى آخر العهد الحالي، وعُزل أو إعتزل حزب "الكتائب" الذي لم يلق من يدافع عن حقوقه الحكومية كما كان الحال مع بيك زغرتا، فلجأ شيخ بكفيّا الى المعارضة بدلا من الانضمام هزيلا الى صفوف حكومة جناحها المسيحي قد إكتمل.
ومنذ التأليف لا بل حتى قبله، والأطراف السياسية تتقاذف مسؤولية إخراج الجميل من المعادلة الحكومية، بينما يبدو حزب "الكتائب" مقتنعا أنّ القوات هي فعلياً الطرف الذي حال دون ايلاء "الكتائب" حقيبة وزارية من حصّته، ما أدّى الى رفض الصيفي الانضمام الى فريق السراي بوزير دولة فقط، وهو عرض ارتأى حزب الكتائب أنّه غير مغرٍ ولا يليق بموقعه السياسي ولا بتمثيله النيابي، خصوصا بالمقارنة مع فرنجية الذي نال وزارة أساسية هي وزارة الأشغال.
وينفي مصدر مواكب لحركة تشكيل الحكومة، وهو على مسافة واحدة من التيار العوني وحزب القوات، أن يكون هذا الأخير مسؤولا عمّا حصل مع حزب الكتائب، متسائلا ما الذي كان يضير رئيس الحكومة المكلّف في حينها أو التيار الوطني الحرّ التنازل عن حقيبة من حصّتهما الكبيرة لصالح الكتائب، علما أنّ الطرفين لا ينفكّان يقولان أنّهما عطّلا الحكومة لأسبوع من أجل تمثيل الكتائب.
ويروي المصدر أنّه نشب تباين الى حدّ الخلاف حول هذا الموضوع بين التيار والقوات، وقد عقدت اجتماعات متتالية بين وزير الخارجية وإبراهيم كنعان عن جانب التيار ووزير الاعلام ملحم رياشي من قبل القوات في مساعٍ مكثفة لحلّ هذه العقدة ، ولكنها باءت كلّها بالفشل.
ويشير المصدر الى أنّ اتصالا قد جرى على مستوى رفيع بين القوات والكتائب، تمّ من خلاله توضيح الصورة بشكل كامل من قبل المسؤول القواتي الذي أكّد لمحاوره من جانب الكتائب أنّ القوات لم تمانع يوما انضمام حزب الكتائب الى الحكومة بل العكس هو الصحيح. فكان جواب المسؤول الكتائبي انّ حزب الصيفي تبلّغ من رئيس الجمهورية ميشال عون ومن رئيس الحكومة أنّ القوات ترفض توزير الكتائب، ما دفع بالمسؤول القواتي بالتعليق بسخرية على الموضوع، قائلا لمحاوره: "ان كان ذلك صحيحاً، فكان عليهما (الرئيسين) توزيركم نكاية بالقوات." وفي هذا الإطار، لفت المصدر الى أنّ حصّة الرئيسين في الحكومة كبيرة بما يكفي للاستغناء عن حقيبة لصالح القوات، فمجموع وزراء عون مع التيار العوني ٩وزراء، كما أنّ للحريري ٧ وزراء، والرئيس هو "أب الجميع" كما بات يشار اليه، بينما الحريري قد حصل على تأييد الكتائب ودعمهم في المشاورات النيابية وعملية التكليف، ما كان يستوجب مبادرة إيجابية اتجاه الصيفي من قبل رئيس الحكومة، على غرار ما حصل بين الشيعة وحليفهم المسيحي فرنجية.
ويلفت المصدر في هذا الإطار الى أنّ مقعد وزير الاقتصاد رائد خوري كان أصلا مخصصا للدكتور غطاس خوري، وبالتالي كان من الأجدى أن ينتقل الى الكتائب بدل ايلائه الى الوزير رائد خوري، بمبادرة من رئيس الحكومة لو كان قام بها لتركت صدى ايجابيّاً على الساحة المسيحية وارتياحا لدى الجميع.
وبالخلاصة، لا تبدو اليوم المصالحة المسيحية الشاملة قريبة رغم إرادة واضحة من قبل الثنائي المسيحي بتخفيف حدّة الخلاف داخل الصفوف المسيحية. واللافت أنّ القوات على وجه الأخص تسعى الى تحسين علاقتها بالأطراف كافة، بحثا عن دور أوسع وأشمل في المرحلة المقبلة انطلاقا من التقدّم الملحوظ الذي سجّلته في الآونة الأخيرة مع انطلاقة العهد، وبالتالي فمن المنتظر أن تنفتح أبواب معراب في الاتجاهات كافة، وخصوصا اتجاه حارة حريك.