شكّل ربع الساعة الاخير الذي أفضى الى ولادة الحكومة اللبنانية، الحدث المفاجىء للبنانيين بعد جولة من شد الحبال، تضاربت فيها القوى السياسة حتى ضمن الفريق الواحد، طارحاً علامات استفهام عدة عن دوافع الساعات الاخيرة التي دفعت معظم القوى المتعنتة الى التخلي عن جولات من التفاوض كان من الممكن أن تؤمن لها مكاسب اكبر.
قد تكون الاجابة بأن مرد ذلك يعود الى أن مصلحة لبنان العليا أفضت الى وجوب تقديم تنازلات من تلك القوى. لا شك هي إجابة فيها كثير من الاستخفاف بعقول القارئين جيدا للواقع اللبناني الذي لا يمكن فصل ما يدور فيه من تحولات عن ما يدور في المنطقة كما لو كان جزيرة معزولة تٌمارس الديمقراطية فيه من منطلق قناعات صرف لبنانية، مع ان الحقيقة ان قناعات القوى السياسية المُسّيرة لمسيرته السياسية ولديمقراطيته منخرطة حتى النخاع في تحالفات خارجية وفي حروب مازال رحاها يدور في الجغرافية السورية الملاصقة للبنان. وربما الدليل الاقرب الى صحة هذا الواقع هي المراحل الصعبة التي مر بها تاريخ الحكم في لبنان ومن بينها المرحلة التي وصلت فيها حرارة التوتر السني-الشيعي الى أعلى درجاتها وكادت ان تودي بالبلد الى حرب اهلية وانهيار كبير في نظامه، لم يأبه لحصوله أي من الرأسين السني والشيعي، ولا الى مصلحة لبنان العليا التي كانت تقتضي وقتها تقديم تنازلات اكثر بكثير من تلك التي حصلت اليوم وبشكل فاضح لم يخف أي من الرأسين من الاعتراف بها جهارا ، الا ان التدخل السريع لبعض القوى السياسية في ذلك الوقت.
استطاع استعادة زمام المبادرة فأيد حينها تسمية رئيس الحكومة الاسبق نجيب ميقاتي انطلاقا من اعتبارات عدة كان ابرزها الحاجة الى رمز سني وسطي معتدل قادر على احتواء هذا الانقسام ويحفظ للمكون السني مكانته بين السلطات الدستورية الثلاث التي نص عليها اتفاق الطائف ويعيد التوازن بين المكونات السياسية والطائفية بعدما اعتراه الخلل نتيجة التعنت والتطرف في المواقف والممارسات التي دفع لبنان اثمانا غالية نتيجتها وما زالت ذيولها مرافقة له حتى العهد الحالي.
بكل حال وانطلاقا مما تقدم، يتضح ان مفاجأة الساعات الاخيرة التي افضت الى ولادة حكومة التسوية لم تكن سوى استكمال للالتحاق بركب موجة التسوية الدولية والاقليمية التي دخلت مراحلها التنفيذية في الساحة السورية، والتي بدأت بشائرها مع انتخاب الرئيس ميشال عون ومن ثم تكليف الرئيس سعد الحريري وصولا الى تشكيل الحكومة الحالية، حيث جاءت الاخيرة متزامنة مع الحراك الديبلوماسي المفاجىء للقوى الروسية الايرانية التركية التي خرجت مؤخراً بوثيقة تحت مسمى" إعلان موسكو" حملت في عنوانها العريض تشديد القوى الثلاثة على تأييد وقف شامل لاطلاق النار في سورية واستعداد هذه القوى على ان تكون اطرافاً ضامنة لها. بالمقابل معالم تغيير في الرؤية السعودية بدأت تلوح أيضاً في الافق مدفوعة بلفحة روسية قوية برزت مؤشراتها في محطات عدة نلخص ابرزها بالنقاط التالية:
-دعوة روسيا المملكة العربية السعودية لضرورة الانضمام الى "اعلان موسكو" بشان الازمة السورية عبر مندوبها في مجلس الامن "فيتالي تشوركين" الذي اشار الى ان الاعلان مفتوح لجميع الدول
ذات التأثير الحقيقي على أطراف الازمة السورية بما يساعد في بدء تسوية سياسية للنزاع في سورية.
-اعلان السفير السعودي في موسكو "عبد الرحمن بن ابراهيم الرسي" الاسبوع الماضي عن وجود تواصل وتنسيق بين الجانبين الروسي والسعودي ومحاولات لتقريب وجهات النظر حول الملف السوري .
-استدراج روسي للاعب السعودي عبر خاصرته الرخوة اليمن بدأت بشائره مع امتناع موسكو استخدام حق النقض "الفيتو" في مجلس الامن ضد القرار 2216 المتعلق باليمن والذي منح الرياض الشرعية الدولية للتدخل على رأس تحالف "عاصفة الحزم" متجاوزا موقف ايران ومصالحها في اليمن.
-اعلان رئيس الهيئة العليا للمفاوضات "رياض حجاب" استعداده المشاركة في المحادثات المنوي عقدها بخصوص سورية في "استانة" عاصمة كازخستان والتي تقودها روسيا بوساطة تركية وفق ما اعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الاسبوع الماضي .
-ابلاغ جهات سعودية رفيعة المستوى واشنطن، نقلا عن وكالة سبوتنيك الروسية، على انها لا تعارض استمرار الرئيس السوري بشار الاسد في السلطة حيث قالوا "اذا غيرت واشنطن رأيها حول الاسد، فلتقل لنا ذلك، ولا تتركونا في الواجهة منفردين وتنقلبوا على حلفائكم".
اذا هي لفحة روسية تجول في المنطقة والاجواء السياسية الدائرة اليوم في لبنان ليست سوى انعكاس لتأثيرات هذه اللفحة والتي يبدو ان قوتها كشفت النقاب عن حقائق سعت بعض القوى السياسية اللبنانية لتغطيتها طيلة السنوات الماضية بكم من الشعارت والمواقف المناهضة لتوجهات وممارسات قوى أخرى، وربما بالعودة الى الذاكرة القريبة لاسيما فترة تولي رئيس الوزراء الاسبق نجيب ميقاتي الحكومة، يتضح بشكل جلي وبالوقائع الدامغة تحول لا بل انقلاب بعض القوى السياسية وتحديدا الرئيس الحريري وتياره على كل ما اطلقه من ممارسات ومواقف في حينه مقارنة مع مواقفه وممارساته والحالة التي هو عليها اليوم، ودلالات ذلك نوجز ابرزها بالنقاط التالية:
-تجاوز الحريري لهواجس الشارع السني الذي رُفعت ألسنة النار تحت اقدامه في السنوات الماضية بفعل الشحن المذهبي والطائفي عبر مشاركته اليوم خصمه "حزب الله" في حكومة واحدة يرأسها، محللا لنفسه ما حرّمه على غيره مانحاً حزب الله غطاء سنياً شرعياً، في الوقت الذي اتهم به الرئيس ميقاتي لدى قبول الاخير تولي رئاسة الحكومة السابقة. مع العلم ان حزب الله لم يكن راض حينها عن آداء الحكومة الميقاتية حيث اعبتر رئيس كتلة نواب حزب الله "محمد رعد" انهم عايشوا حكومة ليست حكومتهم وان الاخيرة قدمت خدمات جلًة للمعارضة قبل الموالاة وتناغمت مع مطالب المعارضة اكثر من الموالاة .
-عدم دعوة دار الفتوى لعقد اجتماع على غرار ما جرى في عهد حكومة ميقاتي حيث جرى اعداد وثيقة تؤكد على الالتزام بالثوابت الاسلامية الوطنية لحماية التوازن السياسي العام والمحافظة على العيش المشترك والتمثيل السياسي من خلال الانتخابات النيابية بشكل يعزز للطائفة السنية تحديدا قاعدتها كركن اساس الى جانب اركان الدولة من الطوائف الاخرى انسجاما مع مرتكزات وثيقة الوفاق الوطني.
-انقلاب التيار الازرق على مطلب ضرورة قيام حكومة حيادية مهمتها الاشراف على الانتخابات النيابية والتي كان يجري التحضير لها في العام 2013 والتي شكلت محور اجتماعهم مع مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الادنى السابق "جيفري فيلتمان". الامر الذي لم تقدم على تطبيقه في الحكومة الحالية.
-عدم تمكن الحريري من انتزاع ثلث ضامن في الحكومة الحالية بخلاف الحكومة الميقاتية التي نجح فيها ميقاتي مع رئيس الجمهورية الاسبق ميشال سليمان ورئيس جبهة النضال الوطني وليد جنبلاط من عدم انتزاع اي قرار سياسي لا بنسجم والمصلحة الوطنية دون موافقتهم.
(ميرفت ملحم - محام بالاستئناف)