وسط أجواء من التناغم الحكومي، نصبّ السياسيون جهودهم على تحضير قانون للانتخابات النيابية ينسجم مع اعتباراتها السياسية من جهة ومع وعودهم بقانون عصري من جهة أخرى. ويبدو أنّ هذه التحضيرات قد قطعت أشواطاً مهمّة، بحسب مصادر متابعة للموضوع، والتي باتت تتحدّث عن صيغة مختلطة فريدة من نوعها بين النظام الأكثري والنظام النسبي، قد يتطلّب تطبيقها تأخيراً تقنياً للاستحقاق النيابي لبضعة أشهر.
وتقوم الصيغة المقترحة لاجراء الانتخابات على مرحلتين: الأولى في أيار المقبل على أساس الأكثري والقضاء كما هو الحال في قانون الستين، والثانية في أيلول على أساس النسبية وتقسيمات انتخابية أوسع، يتبارى فيها المرشحون الذين قطعوا الشوط الأول في لوائح جديدة. وفي التفاصيل التطبيقية لهذه الصيغة، تكون المحطة الأولى من الانتخابات بمثابة المرحلة التأهيلية للشوط النهائي منها، فيتمّ خلالها انتقاء ضعف عدد النواب المفروض انتخابهم من بين الفائزين الأوائل في كلّ قضاء مع مراعاة الطوائف والمذاهب، على اعتبار أنّ هؤلاء هم المؤهلون للانتقال الى المرحلة الثانية وللفوز بمقعد نيابي في نهاية المطاف. وتكون الأطراف السياسية قد أمّنت بذلك دورا أساسيّا لها في المرحلة الأولى من خلال نفوذها وقدرتها على تجيير الأصوات والتأثير على خيار الناخب، فتكون النسبية في المرحلة الثانية محدودة التأثير على القوى السياسية ووضعها الانتخابي، وتكون وعود تحديث القانون الانتخابي وإدخال النسبية عليه قد أُتمّت من قبل أهل السلطة.
وأما في ما يتعلّق بمبدأ الصوت الواحد للمقعد الواحد one person one vote الذي كثر الترويج له في الآونة الأخيرة، فتقول أوساط ملمّة بقواعد الانتخابات أنّ هذا الاقتراح، على أهمّيته كونه يعكس الى حدّ بعيد مبدأ النسبية، من الصعب المضي قدما به وتطبيقه بطريقة مجدية تتناسب مع روحيّته التي لا يمكن أن تتجلّى الا في التقسيمات الانتخابية المصغّرة، حيث يحدّ تطبيقه من قدرة الأحزاب والقوى السياسية على تجيير أصواتها لمن تختاره ما يجعل الموافقة عليه على هذا الشكل أمراً مستعصياً، فيما اعتماده في التقسيمات الكبرى يُفقده قيمته المضافة، اذ يبعده عن منطق النسبية وبالتالي عن مغزاه الانتخابي في الأساس.
وفي أي حال، تلتقي الأوساط المتابعة للملفّ الانتخابي على القول بأنّ الانتخابات آتية وأن لا مفرّ منها، اذ ليس من طرف سياسي يستطيع تحمّل عبء تأجيلها الا لمهلة قصيرة ولأسباب تقنية فقط لا غير. فقد حان الوقت للعهد، كما لرئيس الحكومة سعد الحريري، لتقديم إنجازات فعلية قبل أن يبدأ كلّ منهما بخسارة رصيده الشعبي تدريجيّا، والرئيسان يعيان هذا الموضوع وهما متفقان أساسا على ضرورة تحريك العجلة السياسية واحترام الوعود التي قطعوها كما الاستحقاقات ومواعيدها.
وفي هذا الإطار، تلاحظ الأوساط السياسية الملمّة بموضوع الانتخابات أنّ مبدأ احترام الدستور الذي يردّده أهل الحكم، وشعاراتهم حول ضرورة الالتزام بالاستحقاقات الدستورية، لا تزال حتى الساعة حبراً على ورق. فالاستحقاق الملزم الأول الذي كان من المفترض احترامه هو انتخاب نائبين اثنين، لمنطقتي كسروان وطرابلس، وذلك لملءً الشغورالذي حلّ بعد انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية، و قبل ذلك، نتيجة استقالة النائب روبير فاضل. وفي هكذا اجراء ضرورة انتخابية يحتّمها الدستور. فالمادة ٤١ منه واضحة وملزمة، وهي تنصّ على التالي: "اذا خلا مقعد في المجلس (النيابي) يجب الشروع في انتخاب الخلف في خلال شهرين... أما اذا خلا المقعد في المجلس قبل انتهاء عهد نيابته بأقلّ من ستة أشهر فلا يعمد الى انتخاب خلف".
وتطبيقا لهذه المادة، لا انتخابات تقام بعد وفاة نائب طرابلس بدر ونّوس يوم الخميس الماضي، فهذا الشغور حاصل في مهلة تقلّ عن الستة أشهر الذي ينصّ عليها الدستور. وأمّا في حالتي الفراغ الأوليتين، فالعكس صحيح، اذ يفوق زمن الشغور مهلة الستة أشهر التي تلغي قيام انتخابات فرعية، علما أنّ فاضل استقال في أيار 2016 وعون انتخب في آخر يوم من تشرين الأول من العام الماضي، وأما الانتخابات النيابية فالمقرّر انعقادها في شهر أيار المقبل. والدستور واضح وصريح وكلمة "يجب"في المادة ٤١ منه لا تترك مجالا لأي اجتهاد بحسب المصادر نفسها، ما يعني أنّ احترامه المنشود كان يستوجب انتخاب خلفين للنائبين الغائبين، ولو كان ليتمّ ذلك قبل قيام الحكومة الحالية، اذ كان بوسع حكومة تصريف الأعمال السابقة الدعوة للانتخابات تلبية لما ينصّ عليه الدستور، الذي لا يمكن أن يكون تطبيقه استنسابيّا ولا يجوز غضّ النظر عن مفاعيله حيناً والنداء بضرورة الالتزام بأحكامه أحياناً، وذلك بحسب الاعتبارات والمصالح، أو حتى تجنّبا لعناء ورشة انتخابية قد يعتبرها بعض أهل الحكم "مش حرزانة".