قد يحمل المعنيون الجُعب وبنادق الصيد ويتوّجهون منذ الفجر إلى منطقة الشويفات وضواحيها. وقد يقرر المعنيون إشعال شموع كبيرة في ضاحية بيروت الجنوبية، وقد يوّظفون أشخاصاً للتلويح بالأكياس السوداء الكبيرة في المكان. قد يضعون في زوايا العاصمة مكبرّات صوت لبثّ أغاني "تينا ترنر" (على غرار ما حصل في مطار ستافيرتون)، وقد يطلبون من البنك الدولي قرضاً لشراء بالونات إزعاجية وأجهزة تصدر أصوات النسور. قد يلجأون في نهاية المطاف إلى إغلاق مطار بيروت، لكنهم عبثاً يرتضون اقفال مطمر "الكوستابرافا" الذي بات يتهدد حيوات آلاف المسافرين يومياً، من وإلى لبنان!
هذه المقاربة المجازية تحاكي سلوك السياسيين والمعنيين والمسؤولين في ملف المطار والسلامة العامة المهددة بسبب النفايات المجاورة. فما يتضح ويتأكد هو استعدادهم للقيام بأي شيء، حتى لو كان ضرباً من جنون وخيال، مقابل عدمّ المسّ بمطمر الزبالة! وقبل الشروع في تعديد المخاطر المحدقة بالمطار والناس، يبدو من الصواب والضروري جداً لحظ الحلّ الأوحد والوحيد كما جاء على لسان الخبير البيئي دكتور ناجي قديح :"أوقفوا هذا النقاش فهو مضيعة للوقت.. وأغلقوا المطمر بعد إزالة أكوام النفايات منه حالاً وفوراً"!
وفي حديثه لموقع "لبنان 24"، يلفت قديح إلى ان الحديث عن مخاطر جديّة تسببها إقامة منشآت الى جانب المطارات ليس من باب الأوهام أو التهويل أو الفرضيات، ذلك أن كلّ التشريعات الدولية المتعلقة بسلامة الطيران المدني تمنع منعاً باتاً إقامة منشآت لمعالجة النفايات أو استقبال النفايات المنزلية التي تحتوي على مكوّنات قابلة للتحلل والتعفن على مقربة من المطارات، مشترطة الابتعاد عن هذه المرافق مسافة ستة أميال كحدّ أدنى.
هذه المعايير الدولية التي وُضعت من أجل توفير سلامة الطيران في المطارات وتقليص عدد الحوادث قدر المستطاع، سخّفها كلّ مسؤول وافق على إقامة مكبّ للنفايات في "كوستابرافا"، مقامراً بالتالي بصحة المواطنين والسيّاح.
بحسب قديح، فإن كلّ طنّ من النفايات يحوي 55% من النفايات العضوية القابلة للتحلل والتعفّن والتي تعتبر مادة غدائية مباشرة للطيور.
وردّاً على محاولة البعض إبعاد الشبهات عن المطمر على اعتبار أن أسراب الطيور هذه كانت موجودة في السابق بسبب مصب نهر الغدير ومياه الصرف الصحيّ التي تُرمى هناك، يقول قديح: "صحيحٌ أنه يُمنع إقامة منشآت للمياه المبتذلة على مقربة من المطارات لأنها تعتبر بدورها عنصراً جاذباً للطيور، لكنّ واقع الحال أن ما جذب هذه الأعداد المخيفة من النورس لتحلق فوق المطار في الليل والنهار، هو مطمر "كوستابرافا"! هذه حقيقة ملموسة ومحسوسة، فمحطة معالجة المياه في نهر الغدير قائمة منذ أكثر من 16 عاماً، بيد أننا لن نبدأ برؤية أسراب الطيور الكبيرة إلا بعد إقامة المطمر".
برأي قديح، ففد كان مجرد التفكير بإقامة مطمر للنفايات في تلك البقعة الملاصقة للمطار ضرباً من جنون واستهتار بحيوات الناس ومخالفة فاضحة للمنطق وبديهيات السلامة العامة والأمن، إضافة طبعاً إلى الأضرار التي يُلحقها بالبيئة والبحر. وإذ يذكّر بما قاله مدير المطار معترفاً بتسجيل ثلاث أو أربع حالات دخول طيور في محرّكات الطائرة سنوياً، يُعلّق بالقول: "مضطرين انو ننام بالقبور يعني؟! هل يُقعل أن نزيد أعداد الطيور بسبب مطمر النفايات عوض أن نعمل على الحدّ من تواجدها قدر المستطاع؟"
أما عن تركيب أجهزة تصدر أصواتاً من شأنها إبعاد هذه الطيور، يقول قديح: "إنها مزحة كبيرة، فمؤشر عدم فعاليتها واضحٌ في ظلّ تحليق النورس فوق مدرجات المطار راهناً". أبعد من ذلك، يعتبر الخبير البيئي أن أي شخص عاقل وواع ويتمتع بحسّ المسؤولية لا يقبل ولا يرتضي وضع مصير سلامة الطيران في عهدة آلات وأجهزة معرّضة في أي وقت للتوّقف والتعطّل وعدم توفير الفعالية المرجوّة، أو الاتكال على فرضية أن تسمع الطيور الأصوات الصادرة منها واستبعاد احتمال اعتيادها عليها! والمضحك المبكي، هو محاولة المعنيين الالتفاف على المخاطر عبر إغلاق مدرج من هنا أو هناك وتشغيل آخر يكون أكثر بعداً من حيث المسافة، وكأن الخطر يحوم فوق أمتار قليلة فقط، وليس فوق المطار الذي لا يبتعد باب الوصول فيه عن مطمر النفايات إلا بضعة مئات من الأمتار!
برأيه، هذه مغامرة فاضحة، لا سيّما وأن فلسفة الوقاية تنصّ على أنه بمجرد ما يتوّفر حدّ أدنى من المخاطر، فعلى المعنيين اتخاذ أقصى درجات الوقاية والمعالجة، وفي حالنا يعني هذا الأمر إيقاف العمل بالمطمر فوراً.
مطمر كوستابرافا يخالف بشكل صريح ثلاثة ابعاد رئيسية وأساسية، ففي الشق البيئي يُسبب التلوّث برّاً وبحراً وجوّاً، وفي البعد الصحيّ، تتسبب الروائح والانبعاثات بمخاطر تمسّ بصحة الانسان. أما في البعد الأمني وسلامة الطيران، فالمخاطر لا تقتصر على موضوع الطيور واحتمال إسقاطها الطائرات التي تُقلع أو تهبط، بل أيضاً على تشكّل غاز الميثان المتولِّد عن عمليات الهضم اللَّاهوائي للمكِّونات العضوية من النفايات، والذي يشكِّل مزيجا متفجِّرا مع الهواء في مجال التركيز المتراوح ما بين 5 – 15 بالمئة، ويتسبب بحرائق تلقائية.
وبطبيعة الحال، قد تطال المخاطر الناجمة من إقامة مطمر على مقربة من المطار البعدين السياحي والاقتصادي، لا سيّما اذا ما لجأت الدول التي تحترم مواطنيها إلى اتخاذ إجراءات صارمة لحمايتهم، أقلّها تحذيرهم من مغبة السفر إلى لبنان.. وأسهلها وقف حركة الطيران نحو هذا البلد الذي يجتذب الفواجع، كما تجتذب النفايات طيور النورس!