أمّا وقد سقط لدولة الإمارات العربيّة المتّحدة خمسةٌ من خيرة رجالها في الهجوم الذي استهدف مقرّ إقامة حاكم ولاية قندهار في جنوب أفغانستان مساء أوّل من أمس الثلاثاء، سواءٌ بمحضِ الصدفةِ أم عن سابقِ عزمٍ وتصميمٍ وتخطيط، فإنّ هذا المصاب الأليم، وبعيدًا عن أيّ شكلٍ من أشكال التملّق أو أيّ نوعٍ من أنواع التشفّي، لا بدّ من أن يفتح نافذةً للتأمّل في فرضيّةِ ما إذا كان الإماراتيّون قد فقدوا حقًّا مناعتهم المكتسَبة ضدّ خطر الإصابة بعوارض وباء الإرهاب المتفشّي في المنطقة العربيّة من محيطها إلى خليجها، ولا سيّما أنّ هذه الدولة المتمايزة بفرادتها في مجالات حُسن إدارة ثرواتها الوطنيّة وصناديقها السياديّة، بما يضمن توفير كافّة مستلزمات الرفاهية والرخاء والاستقرار لأبناء شعبها، لطالما بقيت مستعصيةً على التأثّر بمناخات وثقافات الأصوليّة والتكفير والتلغيم والتفجير، خلافًا لما هو الحال عليه في معظم الدول الخليجيّة الأخرى، الأمر الذي لم يكن ليُقدَّر له أن يتحقّق على هذا النحو النموذجيّ اللافت، لو لم يلتزم قادتها، حتّى الأمس القريب، بثوابت سياسة الحياد الإيجابيّ حيال الأزمات والصراعات الدوليّة والإقليميّة، قبل أن يقوموا باستدارتهم المفاجئة في غمرة التطوّرات التي استجدّت على الساحة العربيّة إثر رواج موضة التغيير في إطار ما اتُّفق على تسميته مجازًا بـ "ربيع العرب".
"الأمن مقابل الدفع"
لا شكّ في أنّ مبدأ "الأمن مقابل الدفع" الذي شكّل نقطةً محوريّةً هامّةً في تحديد أطر العلاقات الأميركيّة – الإماراتيّة خلال مرحلة ما بعد هجمات الحادي عشر من أيلول عام 2001 على برجيْ مركز التجارة العالميّ في نيويورك ومقرّ البنتاغون في واشنطن، كان بدوره من بين العوامل الأساسيّة التي ساهمت في توفير الاستقرار المحلّيّ وترسيخ دعائمه، على رغم كافّة تعقيدات النسيج السكّانيّ المتعدِّد الأعراق والأطياف والأهواء في الدولة، وخصوصًا من جهة وجود الملايين من حاملي الجنسيّات الأفغانيّة والباكستانيّة والهنديّة والبنغاليّة على أراضيها، ولا سيّما أنّ العديد من التقارير الاستخباراتيّة غالبًا ما كانت تحذّر من خطورة احتواء هذا النسيج على الكثير من الخلايا الإرهابيّة النائمة التي لا يمكن أن تتحرّك عادةً إلّا عن طريق أجهزةٍ للتحكّم عن بُعد، الأمر الذي أظهرت الإمارات براعةً فائقةً في مجال تداركه لغاية يومنا الراهن.
وإذا كانت الشواهد التاريخيّة قد دلّت في الماضي على أنّ هذه البراعة شكّلت امتدادًا عفويًّا وترجمةً فعليّةً لحكمة وحنكة مؤسّس الدولة الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، سواءٌ في مجال "الحياد الإيجابيّ" على المستوى الخارجيّ أم في مجال "الأمن مقابل الدفع" على المستوى الداخليّ، فإنّ الشواهد ذاتها كانت قد دلّت أيضًا على أنّ وفاة هذا الشيخ الراحل عام 2004، أعطت الأميركيّين الفرصة تلو الأخرى للاستمرار في رفع قيمة "فواتيرهم الأمنيّة" بشكلٍ تصاعديّ، ولدرجةٍ وصلت في أواخر صيف عام 2008، على سبيل المثال، إلى ذروتها، وتحديدًا بعدما وقف الرئيس الأميركيّ حينذاك جورج دبليو بوش في حديقة البيت الأبيض، ليعلن بالفم الملآن أنّ "اقتصاد الولايات المتّحدة يواجه خطرًا يُنذر بانهياره في غضون أيّامٍ معدودةٍ"، محوِّلًا بذلك "أزمة الرهن العقاريّ عالي المخاطر" في بلاده الناجمة أصلًا عن إفلاس بنك "ليمان براذرز" إلى "أزمةٍ ماليّةٍ عالميّةٍ"، الأمر الذي كان من بين تداعياته أن تكبّدت إمارة دبي، بين ليلةٍ وضحاها، خسائرَ ماليّةٍ فاقت قيمتها الستّين مليار دولار، إثر إدراج البنك الأميركيّ المفلس، أي "ليمان براذرز"، في سوق دبي العالميّة تحت اسم "نومورا"، وهو ما دفع القائد العامّ لشرطة دبي (وقتذاك) الفريق ضاحي خلفان إلى القول حرفيًّا: "إنّ الأزمة الماليّة العالميّة هي أكبر عمليّةِ سرقةٍ في التاريخ".
وفي هذا السياق، ربّما لا يعرف الكثيرون أنّ التحضيرات الأوّليّة لهذه العمليّة كانت قد بدأت مع وصول مستشار وزيرة الخارجيّة الأميركيّة كوندوليزا رايس لشؤون الإتجار بالبشر السفير مارك ليغون إلى الإمارات في أواخر عام 2007، وذلك في إطار زيارةٍ تمهيديّةٍ، وإنْ استهدفت في ظاهرها التباحث مع المسؤولين الإماراتيّين في ملفّاتٍ ذاتِ صلةٍ باستخدام الأطفال غير المشروع في سباقات الهجن وبانتشار شبكات الدعارة من دون ضوابط، إلّا أنّها حملت في باطنها نزعةً واضحةً لممارسة المزيد من الضغوط على أولئك المسؤولين، أملًا في دفعهم على التجاوب مع الارتفاع المضطرد في قيمة "فواتيرهم الأمنيّة" الباهظة، ولا سيّما أنّني كنتُ قد أجريتُ مقابلةً خاصّةً لمدّة ساعةٍ كاملةٍ مع السفير ليغون وقتذاك، الأمر الذي مكّنني من قياس درجة الارتباك التي ارتسمت على ملامح وجهه لدى محاولته التنصّل من الإجابة على سؤالي المتعلّق بسياسة المعايير المزدوجة التي تنتهجها الولايات المتّحدة في الدول التي ترغب في تحقيق مكاسبَ سياسيّةٍ واقتصاديّةٍ فيها عن طريق محاربتها بسلاح الإتجار بالبشر وحقوق الإنسان، قبل أن يضطر إلى الإعلان عن أنّ هذا السلاح ضروريٌّ أحيانًا من أجل تحقيق المصالح الحيويّة الأميركيّة.
" Happy Bush Day"
ولعلّ ما يؤكّد هذا الأمر هو أنّ السفير ليغون لم يكد يغادر الإمارات حتّى وصل إليها الرئيس بوش يوم الرابع عشر من شهر كانون الثاني عام 2008، وهو اليوم الذي لن ينسى سكّان دبي أنّهم تبادلوا فيه رسائلَ نصّيّةً قصيرةً على هواتفهم الجوّالة تقول : (Happy Bush Day)، وذلك بعدما منحهم الشيخ محمد بن راشد عطلةً رسميّةً لكي يتسنّى له اصطحاب ضيفه في جولةٍ سياحيّةٍ على معالم الإمارة، قبل أن يلبّي دعوته لزيارة الولايات المتّحدة لاحقًا، تمهيدًا لإيقاعه في شِباك ما وصفه الفريق ضاحي خلفان بأنّه "أكبر عمليّةِ سرقةٍ في التاريخ".
وإذا كان هذا النمط من الابتزاز قد شكّل سمةً لازمت سلوك إدارة الرئيس بوش خلال ولايتين متتاليتين من عهده، فإنّ الولايتين المتتاليتين اللتين أوشكتا على الانتهاء من عهد إدارة خلفه باراك أوباما، لم تشهدا على أيّ مؤشِّرٍ من شأنه الإيحاء بتراجع تأثيرات هذه النزعة الابتزازيّة أو بتخفيف حدّتها، بل على العكس تمامًا، ولا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار أنّ الخطوة الأولى على طريق استدارة الإمارات من "الحياد الإيجابيّ" إلى "الانحياز السلبيّ"، كانت قد بدأت في الأساس على خلفيّة المشاركة في إقامة منطقة الحظر الجوّيّ فوق ليبيا عام 2011، ومن ثمّ في تفعيل دورها العسكريّ في إطار عمليّة "عاصفة الحزم" الأخيرة في اليمن، نزولًا عند رغبةٍ أميركيّةٍ واضحةٍ، الأمر الذي كان لا بدّ من أن يشكّل في مختلف تجلّياته تأكيدًا على صوابيّة الكلمة التي ألقاها الفريق ضاحي خلفان أمام "مؤتمر الأمن الإقليميّ" الذي انعقد في البحرين بتاريخ الثامن عشر من كانون الثاني عام 2012، وهي الكلمة التي بدأها بالإعلان عن "أنّ السياسة الأميركيّة هي مصدر التهديد الأوّل في المنطقة"، وأنهاها بالقول: "إنّ أميركا لم تعد حليفًا بل أصبحت طرفًا مخيفًا".. وممّا لا شكّ فيه هو أنّه لا يزال على حقّ.