لا يعتقد أحدٌ أن لبنان، الذي يعيش في حال أمنية مستقرّة نسبيًا، قياسًا إلى ما يجري من حوله، في منأى عن إستهدافات الإرهاب، الذي يحاول بشتى الطرق والوسائل زعزعة الإستقرار الداخلي، في كل مرّة تسنح له الظروف بذلك.
وما محاولة إنتحاري "الكوستا" في شارع مكتظ تفجير نفسه بواسطة حزام ناسف إلاً واحدة من محاولات كثيرة يسعى المخططون والمنفذون توسّلها لإحداث خلل معين في الجسم اللبناني، الذي بدأ يستعيد عافيته تدريجيًّا، وإن لم تزل الخطوات المطلوبة سياسيًا تتعثر في مكان ما، وبالأخصّ ما يتعلق بقانون الإنتخابات.
ولأن المخططين والمنفذين معًا يتربصون بلبنان شرّا، عبر تحريكهم ما يُعرف بـ "الخلايا النائمة" في الداخل، والتي لها إرتباطات معينة مع إرهاب ما وراء الحدود بطرق متعدّدة، كان الأمن الإستباقي لهم في المرصاد، من خلال مديرية المخابرات في الجيش وشعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي وفرع المعلومات في الأمن العام ومديرية أمن الدولة، بما تتوافر لهم من معلومات إستخباراتية تمّكن هذه الأجهزة من إحباط أي عمل تخريبي قبل تنفيذه والحؤول دون قيام المخربين بأعمالهم الإجرامية.
ومن المفيد بمكان الإشارة إلى أن تعاون هذه الإجهزة والتنسيق القائم بينها يضاعفان من فعالية الإجراءات الإحترازية، وهذا ما بدا واضحًا من خلال إحباط محاولة الإنتحاري المفترض، الذي لم يتمكّن من تفجير نفسه في مقهى "الكوستا" في شارع الحمرا، الذي وجد نفسه محاصرًا في شكل محكم من قبل عناصر مخابرات الجيش وشعبة المعلومات، الذين رصدوا تحركاته منذ اللحظة الأولى التي خرج فيها من منزله في صيدا وحتى وصوله إلى هدفه المحدّد.
وهذا ما يُسمى باللغة الأمنية إستدراجًا مقنّعًا ومبطنًا، بحيث يكون الشخص المشتبه به مراقبًا بسّرية تامة، وذلك للإطباق عليه بالتوقيت الملائم ومنعه من تنفيذ جريمته وإلقاء القبض عليه حيًّا، نظرًا إلى ما يمكن أن يملكه من بنك معلومات عن علاقاته بالجهات المخططّة.
وبذلك يكون الأمن الإستباقي أو الوقائي قد حقق نتيجتين في آن، الأول إحباط العملية التخريبية وحماية الناس من شرورها، والثاني كشف الخيوط عن الشبكات الداخلية المرتبطة ببعضها البعض ومع الخارج.
ولو لم يكن الأمن الإستباقي بهذه الأهمية القصوى لما كان رئيس الجمهورية أفرد له حيّزًا واسعًا في خطاب القسم، وهو أي الأمن الوقائي ما يُعَّول عليه لضرب "الخلايا النائمة" وإفشال أي محاولة لزعزعة الإستقرار الداخلي.
فبفضل تعاون الأجهزة الأمنية كافة وسهرها على أمن المواطن نجا لبنان نهاية الاسبوع من كارثة محتمّة لو لم يتدخل الأمن الوقائي في اللحظة المناسبة.
ولكي لا نقول أن الأمن في لبنان ممسوك بنسبة مئة في المئة، وفي ذلك بعض من مغالاة، يمكن الإستنتاج من عِبرة "الكوستا" أن هذا الأمن مضبوط بنسب كبيرة، وأن إحتمالات إحداث خرق ما في جدار الإستقرار الداخلي تبقى ضئيلة، وهذا ما يزيد عامل الثقة بالقوى الأمنية، خصوصًا بعدما بدأت دول الخليج ترفع الحظر عن رعاياها الراغبين بزيارة لبنان.