في عصر الإرهاب والمخططات التفجيرية التوسعية في كل بقاع الارض، لكل حادثة ارهابية أهدافها وخلفياتها واسبابها، ولعل العنوان العريض لسلسة التفجيرات الأخيرة هو ضرب السلام والاسلام الحقيقي. منذ 3 أيام، في 21 كانون الثاني، كاد انفجاراً خططت له "داعش" أن يوقع ضحايا مدنيين جُدد بلا أي ذنب، من دون ان ننسى مجزرة اسطنبول التي هزت البلاد في رأس السنة واوقعت 49 قتيلاً.
ولعل الانجاز الامني الاخير بإفشال مخطط ارهابي في اللحظة الاخيرة له ارتداداته على الامن والأمان والاستقرار والوطن، لكن بالعودة الى أهداف الانفجار، لماذا قرر "داعش" أن يستأنف أعماله الارهابية في بيروت تحديداً؟!
الباحث في الشؤون الاسلامية مصطفى زهران اعتبر في حديث الى "لبنان 24" أن الغاية الكبرى للإنتحارى والتي تقف على رأس اولوياته هي "النكاية في العدو" وتحقيق أكبر خسارة في الخصم، وهو مايجعلنا نتفهم الزيادة المضطردة في استهداف الميادين والشوارع المتخمة بالمارة والبائعين، التي تسهم في غليان مجتمعي وسياسي، اذ ان المخول الاساسي للحفاظ على امن المواطنين هي السلطة وبالتالي تبقي السلطة مدانة بكل المقاييس في نظر الشعب، مشيراً إلى أن "المواقع العسكرية فهي محصنة ومؤمنة واستهدافها تظل في دائرة واحدة وليست كارثية".
السؤال الأبرز الذي حيّر البعض أيضاً، لماذا لم يستهدف "الانتحاري الموقوف" ملهى ليلي كما حصل في اسطنبول؟!
بحسب زهران، لا يمكن اعتبار استهداف تفجير الملهى الليلي باسطنبول بانه الأصل بل هو استثناء، لان الانتحاري جاءت عمليته في سياق مغاير وهو الإحتفال برأس السنة الميلادية ذات أجواء مغايرة وظرفية مختلفة عن الأعياد الأخرى، مثلا كأعياد المسلمين في المنطقة العربية.
بيد أن المتغير في استهداف شارع "الحمراء" فله عدة أوجه: اولها انه اكثر الشوارع شهرة في بيروت، ومن المعروف انه قبلة السائحين من كل حدب وصوب، فضلاً عن تموضع النخب المتيسرة مالياً داخله، بالتوازى مع النخب السياسية الاخرى التى لها مقرات وتجمعات رئيسية في محيطه، هذا أولاً، وثانياً: هذه المرة اراد منفذوه استهداف "لبنان" بكافة طوائفها، لبنان الدولة والوطن، بخلاف استهداف الضاحية الجنوبية الذي كانت أهدافه الحالة "الشيعية" التي تمثل خصم لدود للتنظيمات كـ"داعش" و"النصرة"، والتي تقاتلها في ميادين العراق وسوريا.
أما الهدف الثالث للتفجير هو أن لبنان يخطو أولى خطواته نحو الإستقرار السياسي، وهذا لا يأتي في صالح التنظيمات الراديكالية المتطرفة التى تسعى جاهدة لزعزعة الاستقرار، لان اجواء الفوضى تؤثر ايجاباً على تفريخ اعدادا جديدة من الراديكاليين بروح الثورة والعكس صحيح.
رؤية "دنيوية" وليست "أخروية"
إذن، لا شك أن التحليل النفسي للانتحاري قد اختلف كثيراً عن الرؤية الكلاسيكية القديمة التي تتعلق برغبة الانتحاري في الإرتحال نحو الجنة و"الفردوس الأعلى من الجنة" الذي تمنيه به الجماعات الراديكالية، ويشرح زهران: "لقد ادخل تنظيم "داعش " تطورا كبيرا في هذا الفهم وحقق رؤية جديدة مفادها ان العمليات الانتحارية آلية هامة قائمة على عنصر المباغته والمفاجاة وتنكيل باكبر عدد من العدو والخصم، ولها دور كبير في المساهمة في ارتداد الدول التي تناصبها العداء الى الوراء، والرجوع عن رغبتها في محاصرة دولة الخلافة، او المشاركة مع دول التحالف العالمي ضدها.
ما يعني أن العملية الانتحارية الآن بالنسبة الى تلك التنظيمات أصبحت لا تقتصر على الهدف "الأخروي" وحسب، وانما اصبح لها غاية "دنيوية" تعنى ببقاء دولة الخلافة، والذود عن حياضها واستقرارها وإبقائها اكبر وقت ممكن، والسعى نحو تحققها والنكاية في أعدائها، وهو مايفسر حجم العمليات الانتحارية التي زادت بشكل ملحوظ بعد ظهور "داعش".
هل المرحلة المقبلة الى مزيد من التعقد؟!
الخلاصة، بعد الخسارة المرتقبة لـ"داعش" في الموصل ومن ثم الرقة، يمكن اعلان وفاة رسمية لهذا التنظيم الذي تموضع لديه فكرة الارض والدولة بخلاف التنظيمات الجهادية الاخرى السابقة، لذا قد نشهد كماً كبيرا من هذه الاعمال الارهابية من تفجيرات واعمال انتحارية في المرحلة المتبقية من عمر التنظيم، طالما بات يخسر ارضا يوماً بعد يوم، وهو ما يجعلنا نتفهم استراتيجيته الحالية من استهدافه دول التحالف الدولي المشاركة في القضاء عليه حتى تهدأ ضرباتها ازاءه، وهو ما يجعلنا نتفهم ايضا استهدافه تركيا بشكل صارخ لكونها باتت لها اليد العليا في القضاء على التنظيم الارهابي بالمعركة التي باتت قريبة جداً في الرقة.