يلاحظ المتابعون لمواقف رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، منذ اليوم الأول لتسلمه سدّة الرئاسة الأولى، أنه يسير بخطىً ثابتة وتصاعدية لكي يثبت أن الرئيس القوي لا يحتاج إلى صلاحيات أنتزعت منه في إتفاق الطائف، من دون أن يعني ذلك تجاوز حدّ السلطة في ممارسة حقّه الدستوري.
ووفق المقربين منه فإن الرئيس عون يدرك الحجم الهائل من المشاكل المتراكمة التي تحتاج إلى حلول، منها الآني الذي لا يحتمل التأجيل، ومنها ما يمكن أن يُدرج على روزنامة المعالجات التي تستلزم توافقًا وطنيًا حولها.
وقد يكون التوافق على قانون للإنتخابات النيابية المدخل الطبيعي لبدء إستعادة الثقة المفقودة بين المواطنين والسلطة، والتي تحتّم الإسراع في إيجاد حلول سريعة لما يعاني منه المواطنون، أقلّه على مستوى الأمور التي لها علاقة مباشرة بحياتهم اليومية، وهي كثيرة، وتدخل في إطار المعالجات المفترض أن تتأتى من الوزارات المعنية المفترض بها الإنصراف بكليتها إلى جدولتها وفق أولوياتها ومن ضمن الإمكانات المتاحة لكل وزارة على حدة، خصوصًا أنه بغياب الموازنة العامة يجد بعض الوزراء أنفسهم مكبلين بآلية الصرف على القاعدة الإثنتي عشرية المعمول بها منذ العام 2005. وهذا الأمر لا يتيح لهم حرية الحركة وتلبية الإحتياجات الكثيرة، والتي تظهر الدراسات الموضوعة من قبل النقابات المعنية بالشأن الحياتي على أنها تدخل في نطاق الملحّ والضروري.
ولأن إقرار قانون جديد للإنتخابات النيابية، الذي على أساسه ستنبثق سلطة تشريعية جديدة، كان لرئيس الجمهورية هذا الموقف- الصدمة، الذي فضّل فيه الفراغ في مجلس النواب على التمديد أو قانون "الستين"، وذلك من أجل وضع الجميع أمام مسؤولياتهم التاريخية، إذ لا يجوز في أي حال من الأحوال استمرار القوى السياسية في لعبة المماطلة والتأجيل للوصول بالبلاد إلى زاوية تضيق معها الخيارات، فيكون التمديد، وهو الثالث في خلال اربع سنوات، أو قانون "الستين" المرفوض ظاهريًا من الجميع باستثناء النائب وليد جنبلاط، الخيارين الوحيدين المتاحين، وهذا ما حاول رئيس الجمهورية إفهامه للجميع عندما اختار الفراغ، مع ما يعنيه في الحياة السياسية، كموقف حاسم وحازم برفض التمديد أو "الستين"، مع إدراكه المسبق أن الدستور يجيز له الذهاب بعيدًا في هذه الخطوة المتقدمة، وهي تدخل في صلب صلاحياته الدستورية.
ولأنه يعرف أن صلاحياته الدستورية تسمح له بأن يفرض نظرية "الرئيس القوي"، بعكس ما يحاول البعض التقليل من أهمية هذه الصلاحيات، فاجأ الجميع بخياره هذا مستندًا إلى مواد دستورية تمكّنه من الإقدام على هكذا خطوة، بغض النظر عما يمكن أن ينتج عنها، سلبًا أم إيجابًا.
والتشدد الذي اظهره رئيس الجمهورية في جلسة الأربعاء لم يقتصر على قانون الانتخاب، اذ تعمد لدى البحث في قرض من البنك الدولي لوزارة التربية بمئة مليون دولار لفت الوزراء الى أن التفاوض في شأن الاتفاقات الدولية هو من صلاحية رئيس الجمهورية حصراً ولا يمكن تالياً ان يتولى الوزراء هذه المهمة الا بتفويض من رئيس الجمهورية، فيما إبرام الاتفاقات هو من مسؤولية رئيسي الجمهورية والحكومة، والمصادقة عليها هي من مسؤولية مجلس النواب.
فهل سيلجأ عون إلى ردّ هذا القانون الذي صادق عليه مجلس النواب في جلسة الخميس ضمن المهلة القانونية؟
خلاصة القول أن عون يحاول من خلال مواقفه إفهام الجميع أن في قصر بعبدا رئيسًا قويًا. فهل ينجح في إخراج قانون جديد للإنتخابات من عنق الزجاجة من شأنه أن يبعد البلاد عن شبحي التمديد و"الستين"؟