فيما يستعد لبنان لإجراء استحقاقه التشريعي، كَثُر الحديث عن تمثيل المرأة في البرلمان، ولاسيّما في ظلّ الخلل القائم لجهة صحة التمثيل بين الرجل والمرأة، بحيث يحتل لبنان المرتبة ما قبل الأخيرة في الترتيب العالمي لجهة تمثيل المرأة في مراكز صنع القرار. ووفق الاحصاءات، فإن نسبة مشاركة المرأة في الحكومة في لبنان هي أقل من 1%، وفي البرلمان لم تتعد 3%. أما في البلديات فلم تتجاوز نسبة الفائزات 6%.
المجتمع المدني تحرّك مؤخراً في العاشر من الشهر الحالي، في إطار واحد باسم التحالف الوطني لدعم تحقيق المشاركة السياسية للنساء والمؤلف من 150 منظمة من المجتمع المدني، وإلتقى تحت مطلب واحد " كوتا نسائية لا تقل عن 30 % من المقاعد النيابية في أيّ قانون انتخابي يتمّ التوافق عليه "، معتبراً أنّ وصول المرأة إلى الندوة البرلمانية لن يتحقق من دون تشريع ملزم .
بعض الكتل السياسية يجاهر بدعمه لمبدأ إشراك نصف المجتمع بالحياة السياسية، ولكن عند الترجمة العملانية تغلب الذهنية الذكورية، وتشكيل الحكومة أبرز دليل. من هنا ترى كاتبة العدل رندى عبود أنّ الكوتا النسائية غير مقبولة لأنّها تكرّس عدم المساواة بين الجنسين بما يخالف الدستور اللبناني ولاسيّما المادة السابعة منه، والتي تنص على أنّ كل اللبنانيين سواء لدى القانون، وهم يتمتعون بالحقوق المدنية والسياسية ويتحملون الفرائض والواجبات العامة من دون فرق بينهم، ولكن تعترف عبود بالمقابل أنّ "الكوتا" هي مدخل لإيصال المرأة إلى البرلمان، "أن تكون مؤقّتة وظرفية في هذه المرحلة، لتشكّل الخطوات الأولى وصولاً إلى تحقيق المناصفة الحقيقية، خصوصاً أن المرأة تشكل 51 % من المجتمع اللبناني".
عبود وفي حديث لـ " لبنان 24 " تأمل أن يثمر نضال جمعيات المجتمع المدني في ظلّ هذا الجو التوافقي في البلد، لتكرّس الكتل السياسية والأحزاب أقوالها بأفعال، وتجسّدها بقانون أو بقرار تتخذه الأحزاب لإشراك المرأة في الحياة البرلمانية " اليوم لدينا فرصة في ظل هذا العهد، ونعلق عليه الكثير من الآمال لإنصاف المرأة وتحقيق ما نصبو إليه ونحن على أبواب إلإستحقاق التشريعي، ولاسيّما أنّ المرأة اللبنانية أظهرت مؤهلات وقدرات كبيرة في كافة الميادين، وقد يغير وجودها الفاعل في الحكم من وجه السياسة في لبنان، ليجعلها أقلّ حدّة وأكثر عدالة ".
كثيرة هي الأسباب التي أنتجت في لبنان مجتمعاً سياسياً من دون المرأة أو بوجود نسائي خجول أتى من ضمن معادلة التوريت السياسي، وأبرزها الحرب وتداعياتها، فضلاً عن عوائق اجتماعية وتربوية وثقافية، واقتصادية بالدرجة الأولى، تقول عبود، "الوضع لم يكن سليماً، واليوم علينا جميعاً أن نعمل لتغيير ذهنية المجتمع الذكوري، وتفعيل مشاركة المرأة في الأحزاب السياسية كمقدّمة لمشاركتها في الحياة السياسية ".
أمام هذا الواقع على المرأة أن تقوم بالمبادرة وتسعى لتكريس حقوقها بدل الإنتظار، " لبنان كرّس حق المرأة بالإقتراع قبل سويسرا، مررنا بتجارب مريرة لم نتخلص إلى اليوم من آثارها النفسية والإجتماعية، فلندع الأسباب والمسببات التي جعلت لبنان في المراتب الأخيرة في هذا السياق، ولنتعاون جميعاً للإستفادة من الفرصة المتاحة، وللمرأة اللبنانية أقول، لأنّنا أكثر من نصف المجتمع اللبناني ولأنّنا كفوءات ومؤهلات، علينا أن نسعى لإيصال أنفسنا وقضايانا إلى الندوة البرلمانية ومجمل الحياة السياسية".
"الكوتا" معتمدة في 84 دولة في كل من أوروبا وآسيا وأميركا اللاتينية وأفريقيا، وعدم إقرارها من ضمن الإصلاحات الإنتخابية هو تكريس لدونيّة المرأة اللبنانية وأبعادها عن ركز القرار، والجمعيات الممثلة لها لن تقف بعد اليوم متفرّجة حيال تهميش حقوق 51 % من المجتمع، وهي تحضّر لخطوات تصعيدية لن يكون الشارع بمنأى عنها.