قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب القاضي بحظر سفر رعايا سبع دول وكلّ اللاجئين إلى الولايات المتحدة ، شكّل سابقة في تاريخ العلاقات الدولية. فكيف ينظر القانون الدولي إلى العقوبة الجماعية التي اتخذها ترامب بحق شعوب سبع دول ؟
عند اعلان فوز دونالد ترامب بالرئاسة الأميركية علت أصوات عالمية، حذّرت من التداعيات الكارثية لوصوله إلى البيت الأبيض على حقوق الإنسان والحوكمة والحريات، وترامب بشخصيته الجدليّة إلى حدّ الجنون، لم يتأخر في تأكيد صوابية هذه الهواجس. ولأنّ الولايات المتحدة ليست جزيرةً معزولةً، وقراراتها هي الأكثر تأثيراَ على معظم شعوب العالم، تحرّكت جهات قضائية داخل أميركا وخارجها منددة بالقرار، وفي هذا السياق أكّدت منظمة العفو الدولية أنّ قرار ترامب ظالمٌ، وينتهك القوانين الدولية، ويشكّل خرقاً واضحاً لقوانين حقوق الإنسان التي تحظر التفرقة على أساس الدين أو الجنسية، وأعلنت أنّها ماضية في مواجهة القرار قضائياً.
في المقابل برّر ترامب قراره بحاجة بلاده إلى اجراءات قويّة، وبأنه ليس حظراً يستهدف المسلمين، وأن لا علاقة له بالديانة، بل بالإرهاب وبأمن البلاد، فكيف يمكن الفصل بين سيادة الدول على أراضيها وأحكام القانون الدولي ؟
الأستاذ في القانون الدولي شفيق المصري يشرح عبر "لبنان 24" مخالفة ترامب للقانون الدولي، فليفت إلى "أنّ السيادة الوطنية للدولة لم تعد مطلقة بشكلٍ كاملٍ، بحيث أنّ كلّ الدول بما فيها الولايات المتحدة ملزمة بالتقيد بأحكام الإتفاقات الدولية، خاصّة بأحكام القانون الدولي، وبالتالي تستطيع الدولة أن تمارس سيادتها على أراضيها، ولكن ضمن الأطر العامة للقانون الدولي، وبالتالي لا يمكن لأيّ دولة أن تأخذ قراراً مماثلاً من دون إنذاراتٍ سابقةٍ، ومن دون أسباب موجبة، لا بل لا يجوز أن تؤخذ إجراءات بحق رعايا دول أخرى تحت أيّ ذريعة، لأنّ هذه المعاملة فيها تمييز، ولا يمكن محاكمة كل رعايا دولة ما تربطهم مصالح معينة أو ربما لديهم أقارب بالبلد المعني أو ارتباطات أخرى، لذلك فتعميم التهمة ليطال سبعة شعوب يشكل عقوبة جماعية، ويسيء إلى حقوق الإنسان و ينطوي على تمييز ديني، وهذا الأمر ممنوع في العلاقات بين الدول".
وبشأن منع كل اللاجئين من الدخول إلى الولايات المتحدة يلفت الدكتور المصري إلى أنّ قرار ترامب شكّل مخالفةً لقانون المهاجرين، كما أنّ قوانين حقوق الإنسان توجب المساواة بين الأفراد والشعوب، واتخاذ هكذا قرار يسيء إلى كل القوانين، ومن هنا بدأت المحاكم تتحرك داخل أميركا، وأخذت قرارات مخالفة لهذه الإجراءات الإعتباطية، "لا يمكن بشخطة قلم أن يتم منع رعايا سبع دول بمن فيهم طواقم الطائرات من دخول الولايات المتحدة. والإجراء مخالف لكلّ تنظيم دولي قائم على أساس حقوق لإنسان والقوانين التي تحكم العلاقات بين الدول".
وعن تحرك منظمات حقوق الإنسان العالمية ضد قرار ترامب لفت المصري إلى أنّ هذه المنظمات يمكن أن تتدخل من تلقاء نفسها، وأخرى تنتظر الشكاوى من الدول المتضررة "ولكن أعتقد أنّ المعارضة الداخلية والنظامين القانوني والقضائي في الولايات سيدعوان الى إلغاء او تعديل هذا القرار".
تسونامي ترامب لن ينتظر قوانين دولية ولا معايير حقوقية، وبدربه سيجرف ليس فقط أحلام الهاربين من القتل والذبح والتهجير في بلدانهم، بل سيحطّم الصورة التي أمضت بلاده عقوداً في ترسيخها في أذهان العالم، صورة الدولة الأسطورة القائمة على قوانين المساواة والحرية واحترام حقوق الإنسان، ليكشف الصورة الحقيقية للدولة "العنصرية " التي قادت الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عام 1948، وبالمقابل انتهكت بنوده في ممارساتٍ قمعيةٍ، وعبر سنّ تشريعاتٍ، كتلك التي تجيز اعتقال الأفراد بسبب مظهرهم الخارجي أو تردّدهم على دور العبادة، وأخرى تمنح الرئيس حق اعتقال أيّ شخص إلى أجل غير مسمّى للإشتباه بإنتمائه لتنظيمات إرهابية، وتعذيب السجناء، وغيرها الكثير من الممارسات المناقضة لحقوق الأنسان. وربما وجود شخص صريح إلى حدّ الوقاحة على رأس السلطة في أميركا، يساهم اليوم إلى حدٍ بعيد في إبراز الوجه الحقيقي للولايات المتحدة، وربما واحدة من ملايين التغريدات التي اجتاحت "تويتر" تعبر عن واقع الحال " شكراً ترامب، الولايات المتحدة باتت أكثر أماناً اليوم بعد اعتقال رجل مسنّ كفيف".