كل المؤشرات المحيطة بملف الانتخابات النيابية بمشاريعه المختلفة ومواقف القوى السياسية المتضاربة منها غير الآبهة لدخول الاستحقاق أعتاب الربع الساعة الاخير من موعد حصوله، تؤكد على ان تمرير الاستحقاق الرئاسي لم يكن سوى ترجمة لتفاهم سياسي على "القطعة"، محددة أطره بمهمة واحدة وهي كرسي الرئاسة مقابل كرسي الحكومة و"نقطة على السطر"، وذلك على قاعدة "كل ساعة ولها ملائكتها". والنتيجة، عودة الى نقطة "صفر تفاهم" حول قانون الانتخاب في مقابل عشرة على عشرة لاضعاف قوى سياسية على حساب قوى أخرى بفعل خضة خارجية، ساهمت الى حد بعيد بانفراط عقد الرابع عشر من آذار، قابلها تزايد في حبات عقد الثامن من آذار مع تسلل قوى آذارية من الفريق الآخر وفي مقدمها حزب "القوات اللبنانية" بمظلة برتقالية، مما ساهم في خلط اوراق مميت لحجم القوى السياسية في الساحة اللبنانية زاد في ضعف بعض القوى ضعفا، وزاد على قوّة القوى الاخرى قوّة.
ربما المعطيات الحاصلة حالياَ توحي بجدية السعي لاخراج قانون انتخاب نيابي جديد من عنق الزجاجة، وان في الحقيقة انه - وفي جميع الاحوال- لن يكون الا مطابقا لمواصفات القوى السياسية المتحكمة بمفاصل القرار في البلد عليه، من المؤكد انه لن يخرج عن السياق الذي خرج من خلاله سناريو الاستحقاقين الرئاسي والحكومي. ولكن يبقى السؤال هل ان مناخ التفاهم الذي واكب خروج لبنان من علّة الفراغ هو نفسه الذي يواكب ملف الانتخابات النيابية اليوم ؟
للاجابة على هذا السؤال لا بد من العودة الى التصريحات والتسريبات التي اعقبت الافراج عن الاستحقاق الرئاسي والتي كشفت بما لايرقى الى الشك الى ان الحل لم يكن "صنع في لبنان" والمؤشر الصارخ على ذلك ما جاء في كلام لوزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف في مؤتمر دافوس الاخير عن تفاهم سعودي-ايراني أدى الى الانتخابات الرئاسية اللبنانية، هذا عدا عن ما كشفه مصدر دبلوماسي "روسي" لاحدى الصحف المحلية حول زيارة رئيس الوزراء سعد الحريري الى موسكو العام الماضي والتي وصفها بالمتصلة اساساً بالاتصالات الروسية – الاميركية في ضوء زيارة قام بها وزير الخارجية السابق جون كيري الى موسكو لوضع خارطة طريق لانهاء الشغور الرئاسي في لبنان ،اذ لم يستبعد المصدر ان يكون التفاهم الروسي- الاميركي قد تطرق ايضا الى اسم المرشح الذي يمكن ان يحظى بدعم اقليمي دولي.
من هنا فان الحل المرتقب لملف الانتخابات النيابية اللبنانية لن يكون بعيدا عن المناخ الذي احيط به الاستحقاق الرئاسي الذي سبقه وانما مع فارق هام ،وان كانت معالم هذا الفارق لم تتضح صورتها بشكل نهائي بعد، الا انه لايمكن الاستهانة به، ألا وهو امتطاء البيت الابيض رئيس جمهورية جديد متهور من الصعب ترويضه وهو دونالد ترامب، وقد بدا ذلك جليا من خلال سلسلة الخطوات التي قام بها الاخير والتي نوجز ابرزها بما يلي:
-ارتفاع حدة التصعيد بين واشنطن وطهران، حيث غّرد "ترامب" عبر حسابه في " تويتر" بان "ايران كانت على وشك الانهيار قبل ان تأتي ادارة الرئيس باراك اوباما وتنقذها عبر الاتفاق النووي بما سمح لايران بالحصول على 150 مليار دولار"، مردفا بان " واشنطن وجهت تحذيرا رسميا لايران على خلفية تجربة اطلاق صاروخ باليستي الاسبوع الماضي معتبرا ذلك انتهاكا للاتفاق النووي" تبع ذلك تقدم نواب "جمهوريين" بمشروع قرار يفرض عقوبات اضافية على ايران، مما دفع موسكو الى الطلب من واشنطن عدم تعقيد الامور اكثر.
- استدراج "ترامب" لدول الخليح وفي مقدمتها السعودية والامارات عبر طرح مشروع اقامة مناطق آمنة في سورية واليمن وذلك خلال محادثات هاتفية منفصلة اجراها الاحد الماضي مع الملك سلمان بن عبدالعزيز ومع ولي عهد الامارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان. والذي قوبل بتحفظ روسي عبر عنه وزير الخارجية "لافروف" بقوله انه "لا يزال على ادارة ترامب ان تحدد نهجها".
كل ذلك يؤشر الى ترك واشنطن مقعد الاحتياط لتعود مجددا الى الحلبة الاقليمية والدولية من موقع الهجوم،على ما يحمل ذلك من عراقيل ستجعل تمرير التسوية الروسية ليس بالسهولة نفسها التي كانت عليها ابان عهد الرئيس "اوباما" حيث بات السير فيها اليوم مزنرا بالغام غير منتظرة لا شك ان روسيا لن توفر فيها اي اوراق تمتلكها لتمرير ما امكن من مصالح لها فيها، وقد تكون الورقتين السعودية والايرانية ابرزها، وفق ما بينت المؤشرات مؤخرا عن ما نقلته مصادر دبلوماسية روسية حول مبادرة موسكو لضم القاهرة الى مجموعة الوسطاء الثلاث روسيا تركيا وايران للمشاركة في التسوية السورية، على ما يشير ذلك الى سحب روسيا قيادة "البساط العربي" لصالح اللاعب المصري في مناورة واضحة على اللاعب السعودي الذي لم يخف انفتاحه المطلق على العهد الاميركي الجديد لدرجة رفضه اي انتقاد لقرار الرئيس ترامب الاخير الذي منع بموجبه دخول مواطنين سبع دول اسلامية الى الولايات المتحدة باعتبار ان هذا شأن سيادي وقد عبر عن ذلك وزير الطاقة السعودي "خالد الفالح" بقوله ان "من حق الولايات المتحدة الاميركية في ضمان سلامة شعبها". اضف الى ذلك ضغط روسي باتجاه جامعة الدول العربية لرفع تجميد عضوية سورية في الجامعة بحجة ان ذلك يساعد في تسوية الازمة السورية، ياتي ذلك بالتزامن مع استنجاد ايراني بموسكو عارضا عليها استعداده للتعاون مع واشنطن لحل المشاكل في الشرق الاوسط وتحقيق السلام في المنطقة بحسب المصادر الروسية.
امام هذا المشهد يبدو ان كل من السعودية وايران في سباق نحو تحصيل ما امكن من نفوذ في المنطقة مقابل تقديم المزيد من التنازلات البيضاء التي لن يوفرها الدب الروسي لتكون قرشه في حال حلّ عليه يوم واشنطن الأسود ، والذي كما يبدو ان موعده ليس ببعيد. من هنا فان هذا المشهد سيكون له انعكاساته على سياسات دول المنطقة ومن ضمنها لبنان عبر اداء اطرافه السياسية لاسيما على عتبة الاستحقاق النيابي الذي لا شك انه سيميل وفقا لما ستميل اليه رياح التغيير الخارجية، الامر الذي يشير الى اختلال مرتقب في التفاهم الذي ساد ابان الانتخابات الرئاسية، ليحل محله تفاهم آخر بنفس اميركي معلق على شروط لن ترحم من غلالها لا طهران ولا الرياض، في حين ستنسحب موسكو من محورها الى معسكر وسط ينسجم وتطلعات واشنطن ويدفع باتجاه تحقيق اوسع لمصالحهما. وربما هذا ما يفسر طريقة ادراة ملف الانتخابات النبايبة وحصر دفة مساره بيد رئيس الجمهورية ميشال عون ومن وراءه من قوى 8 آذار في ظل صمت مريب وغياب لاي دور واضح لرئيس الحكومة سعد الحريري فاعل ومؤثر في هذا الاطار وذلك بخلاف ما كان عليه موقفه في العام 2012 حيث كان اعلانه بالرفض القاطع للحديث عن "اي قانون انتخاب على اساس النسبية في ظل السلاح" محملا حينها رئيس الجمهورية السابق ميشال سليمان ورئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي "مسؤولية اي عملية تهريب لقانون انتخاب من هذا النوع في ظل استمرار هيمنة السلاح" الامر الذي يطرح علامات استفهام كبيرة عن خلفيات هذا الصمت ومرد تغييب مقام رئاسة الحكومة عن لعب دورها اوحتى عن ابداء موقف واضح صريح وعلني حول ما يدور من نقاش حول قانون الانتخاب وبالتالي التنازل عن هذا الدور لصالح طاولة احزاب رباعية. وفيما اذا كان خلف هذا الصمت من ضمانات قدمها الحريري سابقا لمانحيه كرسي الحكومة؟!
(ميرفت ملحم - محام بالاستئناف)