تصفّح بدون إعلانات واقرأ المقالات الحصرية
|
Advertisement

مقالات لبنان24

أكثر من 45 ألف عائلة في لبنان تواجه هذه المعاناة: ما العمل؟

ربيكا سليمان

|
Lebanon 24
03-02-2017 | 03:07
A-
A+
أكثر من 45 ألف عائلة في لبنان تواجه هذه المعاناة: ما العمل؟
أكثر من 45 ألف عائلة في لبنان تواجه هذه المعاناة: ما العمل؟ photos 0
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
facebook
facebook
facebook
telegram
Messenger
Messenger
A+
A-
"ما عادت أمي تعرفني. أنظر إليها متوّسلة مناداتي بالاسم الذي اختارته لي في غرفة الولادة، فتجيبني بتيه عينين صامتتين وهدير سفينة لا تجد ميناءها. أعرّف عن نفسي من جديد بلغة تفضح رفضي تقبل هذا الواقع. فمنذ متى يعلّم الأبناء آباءهم كيفية ترتيب الكلمات في جملة "صحيحة" أو احتساء الشوربة؟! أسئلة كثيرة تؤرجحني، وأخرى أودّ لو كان بإمكاني طرحها عليها: هل تتألمين يا ماما؟ هل أنت خائفة؟ هل تحبيني؟ هل ما زلت تريدين الخروج من منزلك الذي تحمل زواياه بصمات جمالك وذوقك؟ وفيما تواظب أمي على النسيان، أواصل أنا تذكّر الماضي الذي غدر به الحاضر بشكل سريع، فتطلّ عليّ من نافذة ذكرياتي سيّدة ذكيّة، صبورة، مولعة بالنظافة، سبّاقة إلى اجتراح الحلول لمختلف المشاكل، داعمة في كلّ الأوقات...أشعر بغصّة وتعب وضياع. أمي لا تريد أن تستحمّ، ولا أن تأكل. أمي تكررّ طرح السؤال ذاته رغم حصولها على إجابة وتأكيدات. أمي ترمي "ألبومات" الصور الخاصة بي وبأخواتي في سلّة المهملات...وأنا أعرف انها ما زالت تحبنا. فأمي، أصابها الـ "ألزهايمر"، وما عليّ سوى "ارتكاب" الأمل. هذا سيناريو يحاكي معاناة أكثر من 45 ألف عائلة في لبنان مصابٌ أحد افرادها بالمرض البيولوجي الذي يُدعى "ألزهايمر". المحزن و"الطبيعي" هو أن "الألم" لا يلحق بالمريض وحده، بل بعائلته وتحديداً بالفرد الذي سوف يرافقه طوال 24 ساعة للاعتناء به، إذ غالباً ما يتأثر مقدمو الرعاية سلباً نفسياً وجسدياً، الأمر الذي يعود "بالضرر" على المُصاب في حال غياب الدعم الكافي والتوعية البناءة. فماذا عن هذا المرض؟ ما هي مسبباته وعوارضه، وهل من شفاء كليّ منه؟ والأهم، كيف السبيل إلى العيش مع شخص ما عاد يعرف وظيفة "الريموت كونترول" على سبيل المثال؟ تعريف الأزهايمر ومسبباته يعرّف رئيس جمعية "ألزهايمر- لبنان" الدكتور جورج كرم مرض "أزهايمر" بأنه ينتمي إلى "عائلة" الخرف ويُعدّ من أكثر أنواعه شيوعاً وانتشاراً حول العالم، يليه النوع الثاني المعروف شعبياً بـ "النشاف". تتشابه عوارض النوعين لكنّ الأسباب تختلف، ففي حين يطال "النشاف" شرايين الدماغ مانعاً الأوكسيجين من الوصول إليها ما يؤدي الى موت الخلايا، ينتج الأزهايمر من تراكم نوعين من البروتينات ("أميلويد – بيتا" و"تاو") على الدماغ نفسه، فيتمّ القضاء على الخلايا أيضاً. وفي حديثه لموقع "لبنان24" يلفت كرم إلى أن مسبب الأزهايمر معروفٌ، إلا أنّ العلم لم يتوّصل بشكل قاطع بعد إلى معرفة أسباب تراكم هذه البروتينات عند أشخاص دون سواهم، علماً أن ثمة عوامل مختلفة أثبت أنها تزيد من خطر الإصابة بالمرض. ومن أبرز هذه العوامل عدم ممارسة الرياضة بشكل منتظم واتباع نظام غذائي غير صحيّ. إضافة إلى ذلك، تساهم خمسة أمراض بمضاعفة خطر الإصابة بالألزهايمر في حال عدم معالجتها بشكل سليم، وهي: السكري، الكوليسترول، القلب، القلق والكآبة. ويشير كرم كذلك إلى أن الأشخاص الذين يتعرضون لكدمات متكررة على الرأس، كلاعبي كرة السلّة، معّرضون أكثر من غيرهم لخطر الإصابة بالمرض. هذا لا يعني أن الأشخاص "الآخرين" بالضرورة محميون، فهناك من كان يعيش حياة صحيّة خالية من الأمراض المذكورة، فعاجله الألزهايمر وترّبص به! العامل الوراثي لا يغيب بدوره من جملة مسببات المرض، اذ انّ 1% من الإصابات بالأزهايمر تحت عمر الستين تنشأ عن طريق الجينات الوراثية. يقول كرم أن أبناء الأشخاص المصابين يمكنهم في مراحل عمرية مبكرة إجراء فحوصات لمعرفة ما اذا كانوا يحملون جينات المرض، لكنه لا يُشجع على ذلك. لماذا؟! ببساطة، لأنه حتى لو تأكد حملهم هذه الجينات، فإن نسبة الإصابة بالأزهايمر لاحقاً تبقى 50%، "يعني مثل طرّة ونقشة"، يقول. ثمّ أنه، لسوء الحظّ، لا يمكن تغيير الجينات الوراثية عند الإنسان! لكن ما ينبغي فعله من قبل جميع الأشخاص على وجه هذه الكرة الأرضية دون استثناء، هو الوقاية. مجدداً، يشددّ كرم على أهمية تلقي العلاجات المناسبة للأمراض الخمسة الأكثر تأثيراً في زيادة خطر الإصابة بالمرض منذ ظهورها في مراحل عمرية مبكرة، والمواظبة على إبقاء الجسم والعقل في نشاط منتظم. ممارسة الرياضة بمعدل لا يقلّ عن 150 دقيقة في الأسبوع من أنجع وسائل الوقاية بشهادة معظم الأبحاث والدراسات، فهي عملياً تساهم بشكل كبير في التخلّص من الأمراض الصحية المرتبطة بشكل وثيق بالأزهايمر. واذا كان هذا المرض يظهر عادة فوق سن الـ 65 عاماً مع نسبة انتشار توازي 5% وارتفاع هذه النسبة مع التقدم بالعمر (فوق الـ 75 عاماً تصبح 25% وفوق الـ 85 عاماً تصبح 50% من الأشخاص)، فإن أسوأ ما يفعله الشخص بعد سنّ التقاعد هو امتناعه عن ممارسة الأنشطة الفكرية. وعادة ما يلجأ المتقاعد إلى المكوث في منزله متسمراً أمام شاشة التلفزيون، ما يؤثر سلباً على الدماغ. ومن هنا يدعو كرم إلى المداومة على المطالعة، حلّ كلمات متقاطعة، سوديكو وإلى ما هنالك من أنشطة تتطلب نشاطاً ذهنياً، وبخاصة لربات المنزل، والأشخاص الذين أنهوا أعمالهم بعد سنّ الـ 65. ولعلّ المعلومة الأكثر إيلاماً تتلخص بجملة واحدة: لا علاج للألزهايمر ولا إمكانية للقضاء عليه. أما الأدوية التي تُعطى للمريض فهي تهدف إلى تخفيف حدّة العوارض وإبطاء وتيرة المرض. يشبّه كرم الأمر بشخص أنفق نصف المبلغ المدخر في حسابه المصرفي وبات عليه العمل على الحفاظ على ما تبقى فقط! حين يُصاب الشخص بالأزهايمر فإنه يواجه مشاكل عديدة ومتفاقمة مع الوقت. يلفت كرم إلى أن أولى العوارض التي تظهر تتمثل بفقدان الذاكرة القريبة (لأنها أول منطقة في الدماغ تتأثر بتراكم البروتينات)، وعليه يبدأ المصاب بتذكر أحداث من الماضي الغابر، في وقت يصعب عليه استرجاع تفاصيل يوم أمس. إضافة إلى ذلك، يجد المريض صعوبة في النطق والتعبير، صعوبة في القيام بالأعمال اليومية رغم قدرته الجسدية على فعل ذلك وذلك مردّه إلى نسيان تراتبية الخطوات (يعجز مثلاً عن تحضير القهوة لأنه ينسى مراحل تحضيرها المتسلسلة)، صعوبة في اتخاذ القرارات الصحيحة (لا يستطيع المصاب مثلاً تقييم الأمور بشكل سليم) وصعوبة في التعرّف على وظائف الأغراض والأدوات. قد يختلف ظهور هذه العوارض بين شخص وآخر لا سيّما في المرحلة الأولى من المرض(يشمل ثلاث مراحل)، لكنها مع تطوّره وانتقاله من منطقة الى أخرى في الدماغ، تصبح أكثر حدّة وانتشاراً. ويبقى السؤال الأهمّ: هل يؤدي الألزهايمر إلى الموت؟ يجيب كرم شارحاً أنه في نهاية المطاف سوف تُتلف معظم الخلايا في الدماغ ما يوقف عمل بعض الوظائف اليومية للجسم. "في أغلب الأحيان يموت المصابون جرّاء عوامل متعلقة بالتنفس والاختناق". كيف نتعامل مع مريض ألزهايمر؟ في بداية تسلل هذا المرض إلى دماغ الشخص، سيكون على الأرجح مُدركاً أن ثمة خطباً ما وأنه يعاني مشكلة "في الذاكرة". غالباً ما يقرّ المصابون "عم انسى ما بعرف شو بني"، وثمة من يعرف بأنه مصابٌ "بالخرف". برأي كرم، علينا إعلام المريض بمرضه:"للأسف، ما زلنا في لبنان نصرّ على إخفاء الأمر عن المريض، ربما من باب حرصنا على عدم ايذائه نفسياً، علماً أنه من حق كل شخص معرفة ما يُلمّ به، اذ قد يرتأي ساعتئذ إلى تحقيق حلم ما كان يراوده أو مصالحة اشخاص كان على خلاف معهم أو كتابة وصيّتة على سبيل المثال... ولعلّ عدم التحدث مع المريض عن مرضه، بخاصة في المرحلة الأولى، قد يفاقم من الكآبة التي أصابته أصلاً نتيجة التغييرات التي طرأت على حياته. التعرّف إلى المرض وفهمه أمران مطلوبان أيضاً من العائلة ومقدمي الرعاية، لأنهما يساعدان في حسن التعامل مع المريض من جهة، وفي تخفيف التأثيرات النفسية والسلبية على أنفسهم من جهة أخرى. فكيفية التصرّف مع مريض الأزهايمر لا تتوّفر في "كتيّب للإرشادات"، بل على مقدم الرعاية اكتشاف السبل الأنجع انطلاقاً من خبراته اليومية. هذا لا يعني أنه ليس من خطوط عريضة وعناوين لهذه "المهمة" الصعبة: الحنان، الاحتضان، الاحترام، عدم تحميل المريض مسؤولية مرضه... ردّاً على سؤال ما اذا كانت العدائية من عوارض مرض الأزهايمر، يجيب د. كرم بالنفي، شارحاً أن أي سلوك عدائي يُظهره المريض هو بمثابة ردّ فعل على أفعال مقدم الرعاية. على سبيل المثال، قد لا يفهم المريض أن ابنه ينزع عنه ثيابه من أجل أن يستحمّ بل قد يظنّ أنها محاولة سرقة! فإذا ما توّسل مقدم الرعاية العصبية والتعنت، فمن الطبيعي أن يبادر المريض إلى ردّ فعل شرس. من أكثر الأمور شيوعاً، هو أن يطالب المريض بالعودة إلى منزله، (علماً انه متواجد في داخله) أو ان يطلب والديه (المتوفين)، وذلك بطبيعة الحال مرتبط بفقدان الذاكرة القريبة. في أحيان كثيرة، يظلّ المريض مصرّاً على الخروج، وكلما مُنع من ذلك صار أكثر عدائية وحزناً. وعليه، قد يكون من المفيد مجاراته وإخراجه من البيت لبرهة قصيرة، وحين عودته الى المنزل قد يتقدم منك بالشكر لإعادته الى منزله. خلاصة الأمر ان المريض ينسى، ومن المهم معرفة ذلك. واذا كان مريض الأزهامير ماض لا محال في طريق معروفة، فإن مقدم الرعاية يبدو كمن يخترق المجهول الحالك. من هنا، تركّز معظم الجمعيات التي تُعنى بالتوعية حول مرض الألزهايمر على مساعدة هؤلاء وإنارة الدرب أمامهم. وجمعية "ألزهايمر- لبنان" التي تأسست في العام 2003 بهدف تحسين مستوى معيشة الأفراد المصابين بالخرف ومقدمي الرعاية لهم، تواظب على إقامة محاضرات دورية للعموم (كلّ ستة أسابيع) لمناشقة موضوع معيّن متعلق بالمرض. وبمعدل مرتين في الشهر، تفتح الجمعية أبوابها أمام مقدمي الرعاية للاجتماع في مكاتبها في حضرة متخصصين من أجل التحدث وتبادل الخبرات. هذا الـ Focus Group المقام منذ 8 سنوات، عاد بالفائدة الكبيرة على الجميع، بحسب د.كرم. الخطّ الساخن للجمعية هو أيضاً وسيلة لتلقي المساعدة، علماً أنّ ثمة برنامجاً إضافيا تضطلع به "ألزهايمر – لبنان" يتمثل بإرسال مختصيين الى منازل المصابين من دون أي تكلفة، للكشف عليها من ناحية السلامة، ولتوجيه مقدمي الرعاية في مختلف الأمور (بشكل مجانيّ). الجمعية ترفع شعار "لن ننساهم حتى لو نسونا" وتتطلع إلى الارتقاء إلى مستوى التحدي وإعداد مجتمعاتنا لمواجهة الاضطرابات النفسية مثل مرض ألزهايمر مع مزيد من التفهم والاهتمام.
Advertisement
مواضيع ذات صلة
تابع
Advertisement

أخبارنا عبر بريدك الالكتروني

إشترك