"
مولانا" الـ3 ورقات.. هكذا وصف معارضو الفيلم المصري من رجال دين وأزهريين رائعة الثنائي إبراهيم عيسى (كتابةً) ومجدي أحمد علي (إخراجاً) على اعتبار ان هذا المنتج السينمائي لا يمثل حقيقة شيوخ الازهر الشريف، ويفتقد للمراجعة الدرامية، في المقابل رد المخرج بأن رجل الدين ليس مقدساً، و"مولانا" هو "نموذج حي وجميل وحقيقي خلافاً لمزيفين يروّجون للارهاب".. هنا نقطة على السطر! أراد أحمد علي من خلال الرواية كسر جدار التابو الديني بطوله وعرضه، وترجمة محرّمات دنيوية وأخروية، أمنية وسياسية، ونقلها من الورق إلى الشاشة الكبيرة. فكسّر أرقاماً قياسية وحقق نجاحاً جماهيرياً واسعاً. أما في لبنان المنفتح ظاهرياً وبعد أخذ وردّ.. أبشروا خيراً، سيتم عرض الفيلم لكن بتجزئة 9 مشاهد منه.
ويؤكد مصدر في لجنة الرقابة على الأفلام السينمائية التابعة للأمن العام، أن "اللجنة كانت بين خياري المنع أو الاقتطاع، فاختارت الخيار الثاني، وبعد جدل وأخذ ورد ونقاشات مع دار الفتوى من جهة، واعتراضات على اقتطاع أجزاء منه من جهة أخرى، توصلنا الى اتفاق على تجزئة 9 مشاهد، فيما كانت توصية قُدمت بحذف 20 مشهداً تقريباً".
لكن ألن يشوه هذا الاقتطاع لمشاهد من الفيلم المضمون؟ يضيف المصدر لـ"لبنان 24" قائلاً: "كنا نتخوف من هذا الأمر بداية، لكن أطمئن المشاهدين أن هذا لن يحدث، فقد قارنت شخصياً النسختين، قبل وبعد، ولم أشعر بأي تأثير سلبي على مجريات الفيلم أبداً".
ضجة في بلاد العرب
بالعودة الى الجدل الذي أثاره فيلم "مولانا" الذي منع في الكويت، وسمحت به كلّ من مصر والإمارات والمغرب وأخيراً لبنان لكن بتحفظ، كونه "يحتوي تحريضاَ مذهبياً متعمداً"، بحسب دار الفتوى. ما يطرح السؤال التالي: هل المرجعيات الدينية في لبنان أكثر حرصاً على الاديان من الأزهر الشريف؟
نعم.. من المعلوم انه بمجرد طرح فيلم يحمل في طياته معالجة سينمائية لموقع رجل الدين، تخالف الصورة النمطية الراسخة في عقول الناس، أي الشخص التقي والمسالم والحكيم، وإلقاء الضوء على حياته ومسيرته بشكل يعاكس الاطار التقليدي، فإن ذلك يثير الجدل ليس في بلد انتاجه وحسب، بل في الدول العربية كافة وتحديداً الاسلامية. وبالنسبة لـ "مولانا" فإنه بحسب البرومو الترويجي، "فيلم بلا خطوط حمراء.. صراع الدين والسلطة"، فيلم له أوجه رفعت سقف التحدي على صعيد السينما المصرية والعربية، لكن المستغرب هو أن يثار كل فترة في لبنان، البلد المنفتح على الثقافات والتعددية، سجال من هذا النوع حول أعمال سينمائية وفينة تحمل تطرح رأياً إشكالياً أو فكرة تناقض السائد، سياسياً أو اجتماعياً أو دينياً، ما يحيل الابداع إلى مقص الرقيب؟! وهو ما حصل مع "مولانا".
هذه هي المشاهد المحذوفة
في المعلومات الحصرية، طلبت دار الفتوى حذف مشاهد من الفيلم "كونها تحتوي تحريضاَ مذهبياً متعمداً وواضحاً يهدف إلى إثارة الفتنة الطائفية والمذهبية والكراهية والفرقة بين أبناء الصف الواحد وبين أبناء الأديان السماوية ككل، والحض على الإقتتال فيما بينها"، وهذه المشاهد هي:
- حديث في بداية الفيلم بين "الشيخ حاتم الشناوي" وزوجته يبدأ بعبارة "تعرفي يا أميمة... يتحدث فيه عن صندوق مجوهراتها وقوله إن أبا ذر الغفاري كان ليضربها بالحذاء، والحديث عن قيام عثمان بن عفان بنفي أبي ذر من المدينة وقول زوجته له أنت تجرح بالصحابة (حذف كامل المشهد ومدته 23 ثانية).
-حذف مشهد تحطيم تمثال السيدة العذراء والصلبان وعبارة "حسن اتجنن وأعترف لوالده انه يكره الاسلام وعايز يتنصر" (مدة المشهد 15 ثانية).
-حذف مشهد تناول الطعام لدى رجل الأعمال صاحب المحطة الفضائية كاملاً بما في ذلك الحديث الذي دار بين الشيخ حاتم وأستاذه الشيخ مختار الحسيني، والجدال الذي دار بين الشيخ حاتم والشيخ فتحي حول فتوى إرضاع الكبير ومشهد البدأ بالأناشيد والرقص عليها(مدة المشهد أربع دقائق و55 ثانية).
-حذف كامل اللقاء الاول بين الشيخ حاتم وحسن إبن رجل الاعمال الذي يسعى للتنصر، من بعد أول اتصال هاتفي بينهما، والمتضمن أفكاراً وعبارات تسيء إلى كل من الدين الإسلامي والمسيحي بما فيها عبارات الدين أصبح سياسة..(المدة دقيقتين و46 ثانية).
-حذف كامل مشهد الشيخ السلفي على المنبر وقيامه بمهاجمة الحركة الصوفية والشيعة بعبارات تكفيرية (المدة دقيقة واحدة).
-حذف كامل الحديث الذي دار بين مدير المحطة والشيخ حاتم حول الرق والعبودية في الإسلام وطلب مدير المحطة أن يرخص له استرقاق فتاة أجنبية كما رخص لرجل الاعمال بالزواج من فتاة أوكرانية كان يصاحبها(المدة دقيقتين).
-حذف مقطع (مدته دقيقة و20 ثانية) من اللقاء الاول بين الشيخ حاتم ونشوى المدسوسة عليه من المخابرات في مكتبه بعد قول الشيخ حاتم: "أنا أيضاً مؤمن بحرية المرأة في الإسلام ... حتى قوله تقدري ترفضي أي رأي أو فكرة بس شغلي عقلك (ضمناً).
-حذف مشهد قيام الشيخ بخلع بنطاله والتبول على الزجاج العاكس أثناء وجوده في سجن أمن الدولة (مدته 15 ثانية).
-حذف مقطع من آخر الفيلم (مدته 27 ثانية) من قول المذيع: "نعلم أن أهل السنة والجماعة أفتوا بمنع التعبد على مذاهب الشيعة المختلفة... حتى قوله ما رأي فضيلة الشيخ حاتم في هذه المقدمة (ضمناً).
-حذف مشهد رشق المشايخ والباص الذي يقلهم بالحجارة حتى دخولهم إلى الكنيسة وقول الشيخ حاتم للشيخ فتحي "لسا برضو أهل ذمة يا شيخ فتحي، فيرد عليه: اسكت خلي الليلة تعدي" (المدة دقيقة واحدة).
معايير حولاء
هكذا إذن، يبدو الانفتاح في لبنان متعدد العيون، تارة يستأنس ببرامج الهزل والميوعة مع أنها تمسّ أمن الأسرة والمجتمع، وأخرى يتشدد متى كان للأديان دخل أو نقد ولو كان هدفه التحديث وزعزعة خطاب التطرف. إنها مفارقة غريبة يناقض أحد طرفيها طرفها الآخر، فلا حرية وسط تشدد ديني وطائفي مهما كان نوعه، ولا انفتاح إن كان كل ما يخالف الأفكار والتقاليد السائدة، ممنوع وغير لائق للعين والسمع، حتى ولو كان حقيقياً و"يضع الاصبع على الجرح".. وليت السلطات تدرك ان الـ"يوتيوب" أصبح فوق الحواجز والرقابة، وبكبسة زر يمكن ان تجد رابطاً لكل التسريبات عن الفيلم، فلما كل هذا التعقيد؟. وهو ما دفع مؤلف الرواية التي اقتبس عنها الفيلم إبراهيم عيسى يقول إن "منع بعض الدول العربية لعرض الفيلم يدل على أنها غير جادة في محاربة التطرف الديني".
من هو "مولانا"؟ إنه رجل دين مشاكس منذ صغره، يسعى نحو القمر ويلحق بالقطار، سأل نفسه مراراً "من هو مولانا ولماذا هو دائما على حق" فيقع في المحظور. ببراءة طفل حشري لتعلم الدين، وصريح في بيئة منغلقة، يطرح من خلال تجربته علامات استفهام وهواجس عديدة تحاكي ما نعيشه في مجتمعاتنا العربية والاسلامية، يحاول أن يساير بيئته فيقع في فخ الحرام، يلجأ أولاً الى "مولانا".. فيخذله.. وهنا تبدأ الحكاية..