من جديد، عادت أزمة دار الفتوى إلى الواجهة بعد إعلان مفتي الجمهوريّة الشيخ عبد اللطيف دريان تحديد موعد انتخابات "المجلس الإسلامي الشرعي الأعلى" ودوائر الأوقاف في 10 أيّار.
ما زال طرفا النزاع موجودين على أرض "عائشة بكّار"، وإن تغيّر اسم مفتي الجمهوريّة وقلبت الأدوار بين المجلس الذي كان يترأسه نائب الرئيس عمر مسقاوي وبين المجلس الذي كان يترأسه المفتي محمّد رشيد قباني. منذ أشهر قليلة، كان بيد "مجلس قباني" السلطة التي تخوّله البدء في الحرب، فيما كان دور "مجلس مسقاوي" القيام بالدفاع المطلوب للقول بأنّه ما زال موجودًا.
حرب سياسيّة وإعلاميّة وشعبيّة وقانونيّة خيضت على مدى أكثر من ثلاث سنوات انتهت بما سمّي المبادرة المصريّة التي أتى دريان على حصانها. وكانت تفترض أن يحلّ "مجلس مسقاوي" نفسه بعدما حلّ قباني مجلسه قبل انتهاء ولايته بيومٍ واحد. كما كانت تنصّ أيضًا على الدعوة إلى انتخابات "مجلس شرعي" جديد. الأمر الأخير بقي صعبًا، مع ارتفاع الأصوات القانونيّة بأنه يستحيل القيام بإنتخابات لمجلس جديد من دون وجود مجلس قديم تنبثق عنه اللجنة القضائيّة التي تنظّم آلية الانتخابات، ولا سيّما البتّ بالطعون المقدّمة بشأن لوائح الشطب إلى المديرية العامّة للأوقاف.
لم يقتنع فريق قباني كثيرًا بهذا "الاجتهاد القانوني"، على اعتبار أنّه لم يطرح عندما كان المعنيّون يجلسون على طاولة واحدة داخل السفارة المصريّة، بل كان الوعد واضحًا: انتخابات بعد وصول دريان إلى دار الفتوى. وظلّ هذا الفريق يخوض "حملة الدفاع عن دار الفتوى"، مشيرًا إلى أنّه لا يطمح إلى منصب وإنّما يريد الحفاظ على دار الفتوى من جهة ويتخوّف، من جهة ثانية، أن تصبح "انتفاضة قباني" ضدّ "المستقبل" كما لو أنّها لم تكن حتى يصار إلى إدخال التعديلات على المرسوم 18/1955 بكلّ برودة أعصاب.
في الجهة المقابلة، ما زال "مجلس مسقاوي" يتمسّك بأحقيته بأن يكون "المجلس الشرعي" القانوني الوحيد على الأراضي اللبنانيّة، معتبرًا أنّ "نظيره" هو "منتحل صفة"، مستندًا بذلك إلى أحكام مجلس شورى الدولة التي أبطلت القرارات التي اتخذها قباني في المرحلة الأخيرة، ومنها انتخابات هذا المجلس.
هكذا بقيت "أزمة دار الفتوى" موجودة على قيد الحياة بقوة فتائل لا تعدّ ولا تحصى، كعزل مفتيي المناطق الذين عيّنهم قباني في نهاية عهده وعدم إقامة حفل التسلّم والتسليم بين دريان وقباني، وآخرها الدعوة إلى انتخابات "مجلس شرعي" بعد انتظار أشهر طويلة.
اليوم، سيحاول المجلس السابق بكلّ ما أوتي من قوّة الوقوف في وجه هذا الاستحقاق. صحيح أنّه لن يستطع شطب 10 أيّار من "زوزنامة عائشة بكّار"، إلّا أنّه يريد تسجيل موقف معارض، على اعتبار أنّ بعض هؤلاء الأعضاء تقدّم بإعتراض إلى المديريّة العامّة للأوقاف الإسلاميّة بشأن عدم ورود أسماءهم على لوائح الشطب، فيما أسماء أعضاء المجلس الآخر مدرجة على لوائح الشطب التي علّقت على دوائر الأوقاف. كذلك، فإن أسماء أعضاء الدوائر الوقفيّة في عدد من المناطق غير واردة في هذه اللوائح، معتبرين أنّ خلفيّة الموضوع هو أنّهم معيّنون من قبل قباني في نهاية عهده.
لا ردّ من قبل دار الفتوى على هذا الأمر، فـ"سماحته"متمسك بقرار منع الجميع في الدَّار من التصريح من دون مراجعة المديريّة العامة للأوقاف الإسلاميّة. يبدو واضحًا أنّ دريان يريد خوض استحقاقاته "على رواق" ومن دون حرب ردود بين أعضاء المجلسين تعكّر صفو "عائشة بكّار". وهذا ما يتبدّى واضحًا عند سؤال المعنيين عن موضوع الانتخابات، ليجيبوا: "لا إجابة".
وبهذا "الرواق"، ردّت المديريّة العامة للأوقاف ومن خلفها اللجنة القضائية على الاعتراض المقدّم من قبل المجلس السابق، معتبرين أنّهم غير ذي صفة حتى تدرج أسماؤهم على لوائح الشطب.
ولكنّ هؤلاء (أعضاء المجلس السابق) لن يكتفوا بالإعتراض وإنّما قد يعمدون إلى عقد مؤتمر صحافي لوضع نقاطهم على الحروف، وإن لم يقدّم الأمر ولن يؤخّر، فالانتخابات حاصلة يوم الأحد 10 أيار.
(خاص "لبنان 24")