لم يسبق أن أجري إستفتاء في لبنان حول مسائل اساسية وجوهرية، على رغم الأزمات الكثيرة التي مرّ بها، وكانت تستوجب الإقدام على مثل هكذا خطوة، وهي معتمدة في الكثير من البلدان، التي تلجأ إلى الشعب، الذي يُعتبر مصدر كل السلطات.
وقد يكون الإستفتاء الذي جرى في بريطانيا منذ أشهر حول "البريكست" الدليل الساطع للإحتكام إلى الشعب للسير بقرار بهذه الأهمية، على رغم أن في هذه العملية الديمقراطية بعضًا من غبن قد يلحق بالأقلية التي يخالف رأيها رأي الأكثرية، حتى ولو كان الفارق في النسب غير كبير.
أمّا في لبنان فالإستفتاء عادة لا يعبّر في شكل دقيق عن الإرادة اللبنانية الصافية، ما دام النظام اللبناني لا يزال قائمًا على توازنات حسّاسة يكون فيها للعامل الطائفي والمذهبي تأثيرٌ مباشر على النتائج النهائية، سواء أكان لمصلحة هذا الفريق أو ذاك، إذ أن الإصطفاف وراء الطائفة والمذهب غالبًا ما تكون له الأرجحية التفاضلية، وقد تأتي محصلة أي إستفتاء لمصلحة فئة على حساب أخرى، إذ يخشى أن تطغى العصبية الضيقة على مبدأ المواطنة، فتنحرف أهداف أي إستفتاء عن المقصد الأساسي له، ونذهب إلى حيث مصلحة من تُعتبر أكثرية، عدديًا وتكتلًا، فنكون في إستفتاء حول القانون الإنتخابي فنصير في أمر آخر، ولن يكون المؤتمر التأسيسي بعيدًا عن محور وإهتمام البعض.
ولأن الإستفتاء في لبنان محاذيره، حاذر من تعاقب على السلطة، منذ الإستقلال حتى اليوم، الدخول في المحظور، عملًا بمقولة "لا تمشي حدّ القبور ولا تشوف منامات وحشي".
وعلى الأرجح فإن فكرة الدعوة إلى إجراء إستفتاء شعبي، وإن كانت مقاصده وطنية وصادقة، ستقابل بمثل ما قوبلت به الدعوة إلى إنتخاب رئيس البلاد مباشرة من الشعب، وستكون النتيجة الدخول في عملية شدّ الحبال من دون التوصل إلى الغاية المقصودة، وقد يكون لهذه العملية مفاعيل عكسية قد تطيح بإتفاق الطائف والمطالبة بتعديله، في الوقت الذي يدعو فيه الغيارى إلى تطبيق مندرجاته قبل الإنتقال إلى إدخال بعض التعديلات الضرورية، التي أثبتت التجارب الحسّية وجوب حسمها بما يعزز الوحدة الوطنية وليس العكس.
ولأن البلاد لا تحتمل أي مغامرة في هذا الوقت الدقيق والحسّاس، يجري الحديث عن اللجوء إلى الخيارات الممكنة، والتي لا تخرج عن روحية الطائف، وقد يكون مشروع الرئيس نجيب ميقاتي، وهو المشروع الوحيد الذي يتماهى مع هذه الروحية، الأساس الصالح والممكن للسير بقانون عادل ويعتمد على معايير موحدّة تشمل كل المناطق والفئات، مع إمكانية البحث في إدخال بعض التعديلات عليه، وبالأخصّ في ما يتعلق بعدد الدوائر.
وهكذا يتاح للبنانيين إجراء الإنتخابات النيابية في مواعيدها الدستورية، ويكون لهم مجلس جديد على اسس واضحة وجليّة، من دون المساس بـ"الطائف".