عندما زار النائب سليمان فرنجية الأمين العام لـ "حزب الله" السيد حسن نصرالله في 19 كانون الثاني الماضي، لم يقتصر لقاء الرجلين على تبادل كلام المودّة القوية التي تجمعهما، أو على الغوص في تفاصيل الماضي "الرئاسي" القريب، وهي تفاصيل خلقت شيئا من الالتباس في جوّ الصداقة الصلبة بين بنشعي وحارة حريك، بل انّ الحديث بينهما تخطّى أحداث الأمس ليطال ذيولاً مستقبلية، في مناخ من المصارحة والشفافية التامة التي لطالما امتازت بها العلاقة بينهما.
وفي التفاصيل أنّ اللقاء الذي جمع اضافة الى نصرالله وفرنجية، كلّا من وفيق صفا وحسين الخليل من جانب "حزب الله"، والوزير يوسف فنيانوس من جهة "المردة"، أعاد في جزء منه الى الواجهة الكلام القديم حول ما جرى منذ لقاء باريس الشهير الذي رشّح فيه الرئيس سعد الحريري آنذاك فرنجية للرئاسة، وكلّ التطورات التي لحقت، والتي أدّت الى انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية. وكرّر فرنجية بعض الكلام الذي سبق ونسب اليه حول عدم معرفته قبيل لقاء باريس أنّ الحريري سوف يؤيده، مستعيدا شقا من المحادثات التي دارت بينهما آنذاك وكيف أنّه كان على ثقة في حينها أنّ "حزب الله" والرئيس السوري بشار الأسد سوف يساندانه في موضوع الرئاسة. من جهته، أعاد نصرالله توضيح أسباب عدم تأييد الحزب المطلق لترشيح فرنجية بالرغم من المودّة والثقة الصلبة التي يكنّها "حزب الله" لـ"لبيك"، والتزام الحزب وعده لعون بدعمه التام له.
ويذكر أنّ هذا اللقاء ساهم في اعادة التواصل بين الجهتين الى سابق عهده وطبيعته بعد مروره بفترة ارتباك على خلفية موضوع الرئاسة، وجاء لقاء في الكواليس منذ بضعة أيام بين مسؤولين رفيعين من الطرفين لتأكيد ذلك. ولكن أبرز ما ذُكر في الحديث الصريح والمستفيد بين نصرالله وفرنجية هو سؤال طرحه "البيك" على السيد، وهو سؤال يبدو أنّ الكثير من الصقور المسيحية قد بدأوا يطرحونه على أنفسهم أولا، وعلى بعض حلفائهم في الحكم ثانيا، ولو أنّه لا يزال سابقاً لأوانه: هل أكون أنا خلفا عون في الرئاسة بعد انتهاء عهده؟ وبطرحه هذا السؤال على الأمين العام لـ"حزب الله"، ما أراد فرنجية معرفته هو ما اذا كان الحزب سوف يتبنّى ترشيحه في المرحلة اللاحقة، تماماً كما فعله مع عون، علما أنّ موقف "حزب الله" من الرئاسة يؤثر الى أقصى الحدود على نتائجها.
واللافت أنّ نصرالله لم يؤكد أيّ موقف مسبق من قبل الحزب من هذا القبيل، قائلا لقاطن بنشعي أنّ الوقت ما زال مبكرا على ذلك، ولو أن لا شكّ في أنّ فرنجية هو الأقرب والأحبّ الى قلب "حزب الله"، الا أنّه ليس بإمكان الحزب اتخاذ قرار مسبق في هذا السياق. ونصح نصرالله فرنجية بأن يعيد حساباته في الساحة المسيحية ويحسّن وضعه وأداءه فيها ليستعيد مكانة قوية تخوّله لاحقا الدخول الى بعبدا. ولكنّه أصّر على أنّ ليس ذلك مطلبا أو تمنّيا من قبل الحزب على الزعيم المسيحي، إنّما مجرّد نصيحة ان هو أراد فعلا الوصول الى بعبدا يوما.
ونصيحة "حزب الله" لـ"البيك" ليست مستغربة، علما أنّ الحزب يميل حتما الى حليف الدرب فرنجية، ولكنّه في الوقت عينه يسعى دوما الى تأمين قاعدة مؤيدة له مسيحيا خصوصا في ضوّء الصراع السنّي- الشيعي الواسع والمتشعّب في المنطقة، وقد جاء تحالفه مع عون تلبية لهذه الحاجة أولا، بالاضافة الى التقارب في النظرة الاستراتيجية الذي حصل بين حارة حريك والرابية في الآونة الأخيرة. حتى المبادرة الى فتح قنوات تواصل مع معراب التي يبدو أنّ "حزب الله" قد باشر في اتباعها مؤخراً، فهي الى حدّ بعيد خطوة لاراحة الشارع المسيحي العريض تجاهه، وفي كلّ ذلك مؤشّر على أنّ "حزب الله" يبحث عن غطاء مسيحي واسع لطائفته وخطّه المقاوم وطروحاته وخياراته الإقليمية، أو على الأقلّ يحاول خلق مساحة مقبولة بينه وبين الصفوف المسيحية ذات التمثيل الوازن حول هذه الأمور.
في المنعطف المقابل، ليس مستغربا أن يحاول المرشحون المتقدمون على خطّ الرئاسة التودّد الى الأخصام في السياسة منذ الآن، ولو أنّ الوقت قد يبدو مبكرا للتخطيط لهذا الاستحقاق، الا أن الجميع يعي أنّ المسعى الرئاسي مسار متواصل ودرب طويل. ومن هذا المنطلق، لا بدّ من الإدراج في هذا الاطار الانفتاح الجديد، أو بالأحرى المتجدّد، بين تيار "المردة" وحزب "القوات اللبنانية"، والذي يبدو أنّه دخل على خطه هذه المرّة الوزير القواتي ملحم الرياشي، وهو الذي ساهم في إنجاز ملف المصالحة الأصعب بين "القوات" و"التيار الوطني الحرّ".
وحتى اللحمة القوية بين التيار البرتقالي وحزب القوات، وتحديدا بين رئيسي الجهتين الوزير جبران باسيل وسمير جعجع، مردّها الحقيقي في نظر كثيرين طريق بعبدا،ً من باب "ادعمني لأدعمك" كما يلخّصه البعض. ومن المتوقع أن يجني الرجلان في الانتخابات النيابية المقبلة "حصة الأسد" من المجلس النيابي الجديد تحت أي قانون أقرّ، ما يزيد من تحكّمهما بالقرار المسيحي ويجعلهما ممرّا إلزاميا لأي خيار رئاسي لاحق.