إن صحّت الروايات عن سقوط "مساعي" اللجنة الرباعية التي كلّفت نفسها صياغة قانون انتخاب عتيد فإن ذلك يعدّ خطوة في الطريق الصحيح. ذلك أن هذه اللجنة اعتدت، عن سابق إصرار وتصميم، على إرادة اللبنانيين وعلى الدستور، واختزلت الأحزاب والطوائف والشخصيات لتلفيق قانون انتخاب ممسوخ على قياس مصالح البعض وأهوائه وطموحاته، وما كان ينقص جهودها الجليلة سوى إعلان الفائزين سلفاً.. على غرار ما كان يحصل في أسوأ مراحل الوصاية.
على مسافة أيام من الموعد الدستوري لدعوة الهيئات الناخبة، لا يكلّ رئيس الجمهورية ميشال عون من إطلاق المواقف التي تعكس حرصه على التزام ما وعد به في خطاب القسم لناحية انجاز قانون جديد للانتخاب، وأغلب الظن أن لا غبار على نواياه، لكنه في سياق حماسته لا يتردد في دمج ما يطمح إليه، وبين الأعراف والقوانين والأصول التي ترعى عمل المؤسسات والسلطات وتضبط أداء المسؤولين، فيقع في شبهة المحظور.
فهو لوّح بداية بتفضيل الفراغ التشريعي على اجراء الانتخاب وفق قانون "الستين" (غير المأسوف عليه متى تأمّن قانون جدّي وواقعي ومتوازن وعادل)، ثم طرح إجراء استفتاء من أجل حلّ إشكالية القانون العتيد (مع أن الاستفتاءات لا تستقيم في بلد متعدد ومعقد كلبنان لأسباب تمسّ المسيحيين قبل غيرهم).. لكنه في كِلا الحالتين، ضيّق واسعاً وأخذ النقاش القائم من شكل القانون المثالي الذي يحقق صحة وعدالة التمثيل إلى جوهر طبيعة النظام اللبناني وآليات عمله.
لسنوات طويلة رفع "التيار الوطني الحر" شعار "الميثاقية" سبيلاً لضمان مشاركة حقيقية في السلطة لمن افترض أنهم الممثل الأقوى في الساحة المسيحية، ولأجل ذلك وبسبب منه تعطلت مصالح، وتأخر تشكيل حكومات، وخيضت حروب ومواجهات.. مع أن كل الوقائع تؤكد أن أطرافاً مسيحية محترمةَ التمثيل والحضور كانت مشاركة وتساهم في إدارة الشأن الوطني.
اليوم يحق لرئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط أن يطرح أسئلة ويثير هواجس حول ما يروّج من صيغ انتخابية مركبة على حسب المصالح والطموحات، لأنها تخالف الدستور والطائف، ويحق له أكثر أن يرفع الصوت (بالنظر إلى موقع جنبلاط التمثيلي للطائفة الدرزية في الجسم الطوائفي اللبناني) أن يعلن ريبته مما يجري، وأن يرى فيه مسّاً بالميثاقية والتنوع وصحة التمثيل. وهو بهذا المعنى لا يأتي بجديد، بل يستخدم ورقة سبقه "التيار الوطني الحر" إليها.
فالوزير جبران باسيل لطالما رفع شعار الميثاقية لتبرير تعطيل أعمال مجلس الوزراء بذريعة المشاركة المسيحية!! سقطت من يده، وانتقل مشعلها إلى جنبلاط ولا يحق لأحد المزايدة عليه في هذا المقام.
وعلى الرغم من تأكيد الوزير طلال أرسلان أن "أي قانون انتخابي لا يلحظ النسبية فهو ناقص ومجحف ولا يحقق صحة وعدالة التمثيل"، والموقف المشابه للوزير السابق وئام وهّاب من النسبية، فإن لمواقف رئيس "الاشتراكي" دلالة خاصة ربطاً بمعنى تمثيل جنبلاط درزياً ووطنياً، وموقعه من العقد الميثاقي اللبناني.
وما يسري على جنبلاط في موقفه المرتاب من الصيغ المطروحة، وعمليات القسمة والجمع، والضم والفرز على قياس المصالح، يستقيم أيضاً على أطراف وقوى وشخصيات أخرى كالرئيس نجيب ميقاتي الذي سبق لحكومته أن طرحت مشروع قانون انتخابي تثبت الوقائع يوماً بعد آخر أحقية أن يطرح للنقاش من منطلق وطني لا مصلحي... وللحديث الانتخابي تتمة.