لفتت التصريحات المتكررة للرئيس سعد الحريري في الآونة الأخيرة حول تأكيده المستمر عن العلاقة الجيدة التي تربطه برئيس الجمهورية، وأن لا شيء يمكن أن يعكر صفوها، مهما كانت الظروف، ناصحًا الذين ينفخون برماد هذه العلاقات بأن يخيطوا بغير هذه المسلة، وأن يلعبوا غير هذه اللعبة.
إلا أن ما يلفت أيضًا هذا الإصرار من قبل رئيس حكومة لبنان بالدرجة الاولى، ورئيس تيار سياسي ثانيا، وهو التيار الذي يمثل شريحة واسعة من اللبنانيين، الذين كانوا قد هددوا بالنزول إلى الشارع رفضًا لترشيح الحريري العماد عون لرئاسة الجمهورية، على نفي إلاشاعات التي تتحدث عن خلاف في وجهات نظر بين كل من الرئاستين الأولى والثالثة في ما يتعلق بملفات مطروحة وساخنة؛ وقد لا يكون عدم التوافق على قانون جديد للانتخابات النيابية الملف الوحيد الذي يشكل مادة دسمة لتحريك الجمر من تحت الرماد.
فإذا كانت العلاقات بين أهل الحكم على أتم ما يرام، وإذا كانت تمر بشهر عسل ولا تعكر صفوها أي شائبة فما كان من الضروري في كل مرة التذكير بأن العلاقة بين الرئيسين كالسمن والعسل، وأن أي كلام غير هذا الكلام يعتبر ذرًا للرماد في العيون واصطيادًا في المياه العكرة، تمامًا كمن يحاول مع إشراقة كل شمس إثبات أن أخاه هو بالفعل من أبوين طبيعيين، وهو أمر يأتي من زاوية لزوم ما لا يلزم.
وما لا يقوله الرئيس الحريري، أقله في العلن، يتولى هذه المهمة عنه وزير داخليته، فيقول ما لا تسمح به ظروف الحكم والتوافق المسبق بين الوزير جبران باسيل ونادر الحريري، بأن يقوله الرئيس الحريري بهذه الصراحة التي قالها المشنوق، وهو الذي قدم إلى رئيس الجمهورية نصيحة بمراجعة مواقفه من قانون الإنتخاب.
وهذا الردّ أزعج الرئيس عون ودوائر القصر الجمهوري، وإن لم تصدر أي ردّة فعل، وذلك إنطلاقًا من مبدأ المهادنة نفسه الذي يعتمده الحريري، وقد يكون ردّ غير مباشر على المشنوق بلسان أحد وزراء "التيار الوطني الحر"، الذي سبقه الوزير السابق وئام وهاب.
وعلى رغم كلام المشنوق العالي الوتيرة فإن ثمة حرصًا من قبل الطرفين على إبقاء الخلاف في بعض وجهات النظر، وهو أمر يصفه الفريقان بأنه أمر طبيعي، محصورًا ضمن دوائر محدودة الفعالية والتأثير، من دون أن يكون لها إرتدادات سلبية على مسيرة الحكم، التي تعني الحريري تمامًا كما تعني الرئيس عون، بإعتبار أنهما في مركب واحد، فإما ينجحان معًا وإما يغرقان معًا.
ومع حرص الرئاستين الأولى والثالثة على إبقاء أي خلاف خارج التداول الإعلامي، فإن ثمة قناعة في قصر بعبدا بأن الوزير المشنوق لم يكن ليدلي بدلوه لو لم يكن قد أخذ الضوء الأخضر مسبقًا من الرئيس الحريري، الذي يحاول ضبط إيقاع تياره السياسي، من خلال تسكيره الدكاكين الصغيرة التي تؤثر سلبًا على مركزية القرارات السياسية والحزبية.
فهل يكون ما قاله المشنوق بدلًا عن ضائع وكلامًا عالقًا في حلق الحريري؟