مهما اشتدّت سرعة الرياح في لبنان، فإنها نادراً ما تقتلع أشجاراً كبيرة أو تقلب السيارات رأساً على عقب، كما يحدث في دول أخرى. لكنّ رياحاً بسرعة أربعين كيلومتراً في الساعة تُسقط بسهولة لوحة إعلانية، بركائزها الحديدية، أرضاً! إنها المعجزة الإلهية التي، لمرّات عدّة، أنقذت المواطنين من تهشيم وموت محتمل، فاقتصرت الأضرار على سيارات محطمّة، تماماً كما حصل اليوم في منطقة الزلقا. فمن المسؤول، ومن يقينا شرّ هذه المنشآت التي تلتهم المساحات؟!
قد يبدو من الابتذال التكرار بأن قطاع اللوحات الإعلانية في لبنان لا يزال غارقاً في فوضى عارمة، رغم صدور مرسوم جديد في العام 2015 هدف إلى مواكبة مقتضيات العصر والحدّ من "الفلتان" الحاصل. فالحال أن اللوحات الإعلانية، "التقليدية" والحديثة (LED) لا تزال منتشرة بشكل عشوائي، وغير قانوني في كثير من الأحيان، الأمر الذي يتهدد البشر والحجر والبيئة في آن.
ومن المعروف أن المرسوم الرقم 8861 الصادر في 25 تموز 1996 ظلّ صامداً، رغم تفاقم التلوّث البصري وارتفاع منسوب الخطر على المواطنين، طوال 18 عاماً، أي لغاية صدور المرسوم الرقم 1302 المتعلق بتنظيم الاعلانات والترخيص لها في 15-01-2015. فهل نجح هذا الأخير في حسن تنظيم قطاع الإعلانات الطرقية؟
في شقّ السلامة العامة، لا يبدو الأمر كذلك تماماً، ومن ضمن الدلائل تندرج حوادث سقوط اللوحات الإعلانية مراراً وتكراراً. تأكيداً على ذلك، يشير رئيس جمعية "يازا" الدكتور زياد عقل في حديث لموقع "لبنان24" إلى أن المرسوم لا يتناغم بالشكل المطلوب مع قانون السير الجديد. أبرز الملاحظات التي يبديها عقل يتعلق بلغة المرسوم، وتحديداً لناحية استخدام عبارات عامّة لا تكفي من أجل التطبيق الفعلي والفعّال. مثلاً، في المادة 15 التي تتحدث عن "تركيب وصيانة ونزع اللوحات الإعلانية"، تنصّ الفقرة الأولى على التالي:"يجب أن تركز اللوحة الإعلانية بطريقة فنيّة تقاوم العواصف والرياح حفاظاً على السلامة العامة، وذلك على مسؤولية صاحب اللوحة". وهنا يسأل عقل عن جدوى هذه المادة طالما أنها لا تلحظ أي معايير محددّة وواضحة ومُلزمة! الأمر ذاته ينسحب على الفقرة الثانية التي تتحدث عن الصيانة، اذ يعتبر عقل أن الدعوة الى اجراء الصيانة بصورة مستمرة لا تكفي:" فقانون السير مثلاً يدعو الى صيانة المركبات، إلا أن ترجمة ذلك فعلياً تكون بالمعاينة الميكانيكية التي تُلزم المواطنين، بشكل أو بآخر، على تأمين هذه الصيانة".
ويضيف عقل: "الفقرة الخامسة من المادة 15 أيضاً تحظر على صاحب اللوحة ترك الحبال والروابط البلاستيكية متدلية من اللوحات الإعلانية، لكنها كما سابقاتها لا تلحظ أي عقوبات واضحة للمخالف ولا تحدد المسؤوليات".
باختصار، يصف عقل المرسوم، وبخاصة فيما يتعلق بالسلامة العامّة، بأنه "إعلان نوايا" أكثر منه مرسوم ذي طابع عملي قابل للتطبيق. وبحسب ما أشار، فإن أي جهة من المعنيين بالسير والسلامة المرورية والعامة، لم تُدع إلى المناقشات والاجتماعات التي سبقت إصدار هذا المرسوم، مع العلم انه وكما ورد في مقدمته يستند إلى مراسيم وقوانين أخرى، ومن ضمنها قانون السير الجديد، وهذا ما يوحي بأن الاعتبارات التجارية تقدّمت على كلّ مبادئ السلامة والحفاظ على البيئة.
وما تطالب به "يازا"، إعادة إصدار مرسوم أو قانون يلحظ في عبارات واضحة جودة اللوحات الإعلانية ونوعيّـتها وطريقة تركيبها تحت إشراف مهندس متخصص ووجوب صيانتها، بالإضافة إلى إيجاد اطار عقابي للمخالفين. وبرأي عقل، فإن تحميل صاحب المنشأة وحده مسؤولية كاملة ليس محبذاً، إذ إن التشارك في تحمّل المسؤولية (المهندس، البلديات) من شأنه تعزيز الالتزام بالقانون وشروط السلامة العامّة، ويختم:" لا يجوز أن يخالف مرسومٌ قانون السير بأي شكل من الأشكال".