يبدو أنّ القيادة الإيرانيّة عازمة على المضيّ قدمًا في إرسال إشاراتها الإيجابيّة المتتالية إلى المملكة العربيّة السعوديّة إلى أن يحين موعد قطاف ثمارها، وذلك أملًا في تسوية الأزمة الحادّة التي نشبت بين البلدين على خلفيّة تعرُّض سفارة المملكة في العاصمة طهران، وقنصليّتها في مدينة مشهد، لاعتداءاتٍ على أيدي متظاهرين إيرانيّين أثناء الاحتجاج على قيام السلطات السعوديّة بإعدام رجل الدين الشيعيّ نمر باقر النمر في مطلع العام الماضي، وما ترافق مع ذلك من تراشقٍ كلاميٍّ مركّزٍ بين الجانبين، الأمر الذي دفع الرياض في حينه على قطع علاقاتها الديبلوماسيّة مع الجمهوريّة الإسلاميّة، وكاد يتسبّب مرارًا، لولا قدرة القادر، بخروج نار الصراع السنّيّ – الشيعيّ المتوارَث أبًا عن جدٍّ من تحت الرماد.
آخر تلك الإشارات الإيجابيّة، كانت قد وردت في سياق الموقف الذي عبّر عنه رئيس لجنة الأمن والسياسة الخارجيّة في مجلس الشورى الإيرانيّ علاء الدين بروجردي بخصوص استعداد بلاده لإجراء لقاءاتٍ مع السعوديّة، بحسب ما نقلته وكالة تسنيم عن لسانه اليوم الخميس، وهو الموقف الذي عزّز من صوابيّة تقديراتٍ سابقةٍ كانت قد أشارت مؤخّرًا إلى أنّ قرار الانفتاح على الرياض يندرج في إطار خيارٍ استراتيجيّ إيرانيٍّ يحظى بمباركة المرشد الأعلى للثورة الإسلاميّة علي خامنئي، ولا سيّما أنّ الرئيس حسن روحاني سبق وأن تطرّق بشكلٍ مباشرٍ إلى هذا الموضوع، شأنه في ذلك شأن كلٍّ من وزير خارجيّته محمد جواد ظريف وأمين المجلس الأعلى للأمن القوميّ علي شمخاني.
ولعلّ اللافت في موقف بروجردي هذه المرّة هو أنّه جاء قبل يومٍ واحدٍ من موعد الاحتفالات بالذكرى السنويّة لانتصار ثورة عام 1979 المقرَّر إحياؤها غدًا الجمعة، وهو الموعد الذي كان المرشد الأعلى قد قال قبل يومين إنّ الشعب الإيرانيّ سيردّ فيه على تهديدات الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب للجمهوريّة الإسلاميّة وعلى مواقفه العدوانيّة ضدّها، من دون أن يحدِّد شكل وطبيعة وحجم هذا الرد، علمًا أنّ ما نقلته وكالة تسنيم عن لسان بروجردي تضمّن تأكيدًا على أنّ احتمالات وقوع اشتباكٍ عسكريٍّ مباشرٍ بين إيران والولايات المتّحدة تبدو ضعيفةً، نظرًا لأنّ الأميركيّين يدركون حجم القدرات العسكريّة الإيرانيّة، تمامًا مثلما تضمّن أيضًا تشديدًا على أنّ ذلك لا يعني أنّ بلاده تسعى للحرب.
وإذا كانت مواقف الرئيس ترامب حيال إيران قد وصلت إلى حدّ وصفها بـ "الدولة الإرهابيّة الأولى" في العالم، فإنّ مسارعة روسيا إلى الإعلان عن أنّها تختلف تمامًا مع واشنطن في هذا التوصيف، وإنْ جاءت في وقتٍ كثر فيه الحديث عن ظهور اختلافاتٍ حادّةٍ في وجهات النظر بين موسكو وطهران حيال الملفّ السوريّ، وكذلك عن أنّ هذه الاختلافات هي التي أسّست أرضيّةً ملائمةً لإرسال الإشارات الإيرانيّة الإيجابيّة إلى السعوديّة، إلّا أنّها سرعان ما أثبتت أنّ القيادة السياسيّة في قصر الكرملين لا تحيد قيد أنملةٍ عن مبادئها في مجال التعاطي مع أصدقائها الإيرانيّين، حتّى ولو أدّى ذلك إلى التأثير بشكلٍ سلبيٍّ على الغزل المتبادَل الذي يخيّم على أجواء العلاقات الأميركيّة – الروسيّة في الوقت الحاليّ.
والأكثر من ذلك، ووفقًا لمصادرَ روسيّةٍ مستقلّةٍ، فإنّ عددًا من الخبراء الروس يدرسون في هذه الأثناء الاقتراح الذي كان الأمين السابق لجامعة الدول العربيّة عمرو موسى قد تقدّم به خلال قمّة طرابلس الغرب عام 2010 بشأن إيجاد المناخ الملائم لوأد الفتنة السنّيّة – الشيعيّة عن طريق تفعيل حضور دولٍ إقليميّةٍ، مثل تركيا وإيران، في فضاءات الجامعة، وذلك تشجيعًا منهم لأيّ تقاربٍ يمكن أن تفضي إليه الإشارات الإيرانيّة الآنفة الذكر بين طهران والرياض.
وإذا كانت جهود أولئك الخبراء لم تتّخذ بعد أيّ طابعٍ رسميٍّ روسيٍّ، فإنّها تأتي من دون أيّ شكّ على خلفيّة الموقف الذي كان الرئيس فلاديمير بوتين قد عبّر عنه لدى إتمام المصالحة التركيّة – الإسرائيليّة العام الماضي، وخصوصًا عندما قال إنّ أيّ تقاربٍ يحصل بين طرفين متخاصمين لا بدّ من أنّ يحمل في طيّاته بشائر إيجابيّة.. فهل سيُقدَّر لنا أن نشهد قريبًا يا ترى أيّ بشائر من هذا النوع بين المملكة العربيّة السعوديّة والجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة؟
أغلب الظن أنّ الجواب لا يمكن أن يخرج في الوقت الراهن عن نطاق: ربّما.. ولكن، تبقى الأعمال بالنيّات.
(جمال دملج - كاتب متخصّص في الشؤون الروسيّة)