تمامًا مثلما علّمنا منطق الطبيعة في التاريخ الإنسانيّ على الإيمان بصوابيّة المعادلة التي تُثبتُ أنّ الحرارة تؤدّي إلى تمدُّد الأجسام الصلبة بينما تؤدّي البرودة إلى تقلُّصها، فإنّ المناخ المتقلِّب الذي نشهده حاليًّا في منطقة الشرق الأوسط جرّاء المنخفضات المتتالية الآتية إلينا من البُعديْن الإقليميّ والدوليّ، كان لا بدّ له من أن يعلّمنا درسًا حول أهمّيّة استبيان مدى خطورة ما يمكن أن ينجم عن مزاجيّة الطبيعة من تأثيراتٍ سلبيّةٍ على خطوط السكك الحديديّة الموضوعة لإيصال قطار الأزمة السوريّة إلى محطّة التسويات المرجوّة، ولا سيّما إذا أخذنا في الاعتبار أنّ أوجه الشبه المتعدِّدة ما بين طبيعة المواقف الصادرة في الآونة الأخيرة عن دوائر الرصد السياسيّ والعسكريّ في عواصم الدول المعنيّة بالشأن السوريّ من جهة، وما بين قاعدة البيانات الصادرة عن دوائر الأرصاد الجوّيّة المعنيّة بحالة الطقس في دول الإقليم من جهةٍ أخرى، أوشكت على أن تصل في هذه الأيّام إلى حدّ التطابق الكامل.
وإذا كان الجدل الدائر في هذه الأثناء حول تداعيات الكرّ والفرّ المسجَّلة في الميدان السوريّ على خلفيّة ما أصبح شبه مؤكَّدٍ بخصوص دخول القوّات التركيّة نهار أمس السبت إلى مدينة الباب الحدوديّة قد شكّل أحد أوجه الشبه الآنفة الذكر مع حالة الطقس المتقلِّبة في المنطقة، ولا سيّما في ظلّ استمرار وجود الانقسامات الحادّة في الرأي حول ما إذا كان يحقّ أو لا يحقّ لأنقرة انتهاك السيادة السوريّة إلى هذا الحدّ عن طريق إحكام سيطرتها على تلك المدينة في ضوء تفاهماتها الاستراتيجيّة المستحدَثة مع موسكو، فإنّ ما تشهده الأروقة الديبلوماسيّة ذات الصلة بهذا الملفّ من مناكفاتٍ شبه كيديّةٍ لا يقلّ أهميّةً من حيث نسبة خطورة تقلّباته عمّا يدور في ساحات المعارك بأيّ شكلٍ من الأشكال.
مواقف استخباراتيّة
ولعلّ أبرز ما بدا لافتًا في هذا السياق، كان قد تجلّى بوضوحٍ لدى وصول المدير العامّ الجديد لوكالة المخابرات المركزيّة الأميركيّة مايك بومبيو إلى الرياض نهار أوّل من أمس الجمعة من أجل تسليم وليّ العهد السعوديّ محمد بن نايف بن عبد العزيز "ميدالية التفوّق" التي جرت العادة على أن تقدّمها الوكالة تقديرًا لجهود الحائزين عليها في مجال جمع المعلومات الاستخباراتيّة ودورهم المميّز في مكافحة الارهاب، وذلك بعدما كان رئيس الاستخبارات العامّة السعوديّة الفريق خالد بن علي بن عبد الله الحميدان قد توعّد قبل يومٍ واحدٍ كلًّا من مصر والأردن بأنّ بلاده "لن تتغاضى عن أفعالهما" المترتِّبة على عدم قيامهما بالتنسيق مسبَقًا مع المملكة بشأن تحرّكاتهما الأخيرة ذات الصلة بالشأن السوريّ، الأمر الذي إنْ دلّ شيء، فهو يدلّ على أنّ إدارة الرئيس دونالد ترامب قرّرت حجز مقعدٍ دائمٍ للسعوديّين في قطار التسوية السوريّة المتوقَّع انطلاقه لدى انقشاع الرؤية في أعقاب زوال التقلّبات المناخيّة الراهنة، نكايةً بالإيرانيّين، وربّما بالأتراك أيضًا، علمًا أنّ ذلك المقعد كان يُفترض أن يكون أكثر أمانًا وراحةً لو قدِّر للسعوديّة أن تلبّي الدعوة الروسيّة للمشاركة في الرحلة التي اتّجهت إلى العاصمة الكازاخيّة أستانة في وقتٍ سابقٍ من الشهر الماضي، والتي من المقرَّر أن تنطلق مجدَّدًا خلال الأيّام المقبلة، وخصوصًا بعدما كان الرئيس فلاديمير بوتين قد أرسل بنفسه إشارةً مباشِرةً مفادها أنّ مفاوضات أستانة ينبغي أن تراعي مصالح كافّة الدول المعنيّة بالصراع السوريّ، بمن فيها مصر والأردن والمملكة العربيّة السعوديّة.
وإذا كانت إشارة الرئيس بوتين المباشِرة كافيةً للدلالة على عدم صوابيّة الموقف الذي عبّر عنه الفريق الحميدان لدى قوله "إنّ تجاهل السعوديّة وتهميشها في التعاون الجديد بين الولايات المتّحدة وروسيا والأردن ومصر لفضّ النزاع السوريّ سيكون قرارًا فاشلًا"، على حدّ تعبيره، قبل أن يُضيف أنّ بلاده "لن تتغاضى عن أفعال الأردن ومصر بسبب تلبيتهما لقرارٍ اتّخذه الجانب الروسيّ من دون التنسيق مع السعوديّة والدول العربيّة الأخرى"، فإنّ الأسباب التي حالت دون تمكّن الرياض من تلقّفها وإدراك معانيها، يمكن أن تُدرَج، عن حُسن نيّةٍ، في خانة تقلّباتٍ مناخيّةٍ غالبًا ما يؤدّي الضباب الناجم عنها إلى الحيلولة دون رؤية الأشياء بأشكالها الحقيقيّة.
تفاؤل حذر
وفي ظلّ هذه الأجواء الملبَّدة، كان لا بدّ لوزير الخارجيّة الروسيّ سيرغي لافروف من أن يطلّ من خلف الضباب بموقفٍ براغماتيّ مفاده أنّ الحديث عن اختراقٍ قريبٍ على صعيد تسوية الأزمة السوريّة سابق لأوانه، على رغم أنّ "الوضع الراهن أكثر ملاءمة بكثيرٍ لكي نخطو خطواتٍ عمليّةً لحلّ الأزمة"، وهو الموقف الذي صدر بالتزامن مع الدعوة التي وجّهتها وزارة الخارجيّة الكازاخيّة لكلٍّ من وفديْ الحكومة والمعارضة السوريّين من أجل المشاركة في الجولة الثانية من مفاوضات أستانة المقرَّر إجراؤها يوميْ الخامس عشر والسادس عشر من الشهر الحاليّ برعايةٍ روسيّةٍ – تركيّةٍ – إيرانيّةٍ، وبحضور المبعوث الأمميّ ستيفان دي ميستورا، إضافةً إلى وفدين رسميّين أحدهما يمثّل الأردن والآخر يمثّل الولايات المتّحدة الأميركيّة.
وإذا كانت الأهداف المرجوّة من هذه المفاوضات تتركّز على مسائل تطبيق نظام وقف الأعمال القتاليّة في سوريا، والإجراءات المتعلّقة باستقرار الوضع الأمنيّ في بعض مناطق البلاد، إلى جانب خطواتٍ عمليّةٍ أخرى، من بينها المفاوضات السوريّة – السوريّة المرتقبة في جنيف، فإنّ احتمالات التوصّل إلى اتّفاقٍ بخصوص شرعنة الأوضاع الميدانيّة الحاليّة بين الحكومة والمعارضة، قبل الانتقال إلى التباحث حول المسائل السياسيّة في جنيف لاحقًا، قد يكون السبب الرئيسيّ وراء احتدام المعارك في مدينة الباب ومحيطها خلال اليومين الماضيين، ولا سيّما أنّ أيّ مكاسبَ ميدانيّةٍ جديدةٍ من شأنها أن تؤدّي بالطبع إلى تعزيز المكانة التفاوضيّة لكلّ طرفٍ من أطراف الصراع.
وعلى هذا الأساس، كان لا بدّ للوزير لافروف من أن يُقرن تفاؤله بشأن إمكانيّة إيجاد حلٍّ عمليٍّ للأزمة السوريّة بالحذر، وخصوصًا بعدما أوضح أنّ موسكو كانت قريبة من تحقيق هذا الإنجاز في شهر أيلول من العام الماضي، لو لم يعجز الأميركيّون عن الالتزام بالاتّفاق الذي تمّ التوصّل إليه وقتذاك، الأمر الذي دفع القيادة الروسيّة إلى استخدام وسيلة "العلاج بالصدمة" عن طريق الاتّفاق مع القيادة التركيّة على تحقيق وقف إطلاق النار.
وإذا كانت أسباب هذا "التفاؤل الحذر" تعود في الأصل إلى التقلّبات المتتالية التي تتحكّم بمواقف غالبيّة الدول المعنيّة بالملّف السوريّ، تمامًا مثلما هو الحال عليه في التقلّبات المناخيّة الراهنة، فإنّ أكثر ما يبدو واضحًا وجليًّا في ظلّ هذه الأجواء الملبَّدة هو أنّ روسيا عازمةٌ على المضيّ قدمًا في بذل جهودها من أجل وضع القطار السوريّ على سكّة التسوية والحل، حيث أستانة أوّلًا ومن ثمّ جنيف، آخذةً في الاعتبار أنّ هذا القطار يتّسع للجميع، وما على المعنيّين بالرحلة سوى حزم أمتعتهم والاستعداد للسفر.. والخير من وراء القصد!
(جمال دملج - كاتب متخصّص في الشؤون الروسيّة)