لم ينس السيد حسن نصر الله في معرض تناوله لملف الانتخابات النيابية ومقتضياته القانونية والسياسية، الإشارة ولو العابرة الى أنّ "الذهاب الى المجهول هو أمر خطير على البلاد". وهو بذلك يقصد حالة الشغور التشريعي التي يحذر منها رئيس الجمهورية ميشال عون في حال عدم التفاهم على قانون جديد للانتخابات، والتي قد تدفع به الى ممارسة صلاحياته، كما يقول، بعدم التوقيع على مرسوم دعوة الهيئات الناخبة.
عملياً، دخلت البلاد في المجهول بعد ضرب أولى مستلزمات العملية الانتخابية السليمة، وهي انشاء هيئة الإشراف على الانتخابات، والتي كان يفترض اقرارها قبل موعد 11 شباط، ذلك لأنه وفقاً للرزنامة الزمنية المتداولة بين القيادات السياسية، يجب أن تجري الانتخابات يوم 21 أيار المقبل، وبالتالي من الضروي، لا بل لزاماً على الحكومة انشاء الهيئة قبل 11 شباط لتبدأ عملها. الأمر الذي لم يحصل والذي يعرض كل العملية الانتخابية للطعن!
ومع ذلك، لم يوضح الأمين العام لـ"حزب الله" ما اذا كان يقصد بالمجهول، هو التحذير من بلوغه نظراً لتداعياته السلبية على البلاد برمتها، وبالتالي خشية فريقه من هذا السيناريو وعدم رغبته في بلوغ هذه الحافة، أم هو بذلك يقف في صفّ رئيس الجمهورية الذي يتخذ من الشغور ورقة تهويل بوجه القوى الممانعة لتغيير قانون الانتخابات، ليرفع من ذلك من وتيرة الضغط باتجاه فرض النسبية على قانون الانتخابات.
هنا، تنقسم آراء القوى المعنية حول تفسير كلام نصر الله. هناك من يرى أنّ الثنائي الشيعي ليس متحمساً كفاية لمجاراة رئيس الجمهورية في دفع الأمور باتجاه شغور تشريعي يحاذر هذا الثنائي من "ارتكاب" سابقة أولى من هذا النوع، ليجلس الرئيس نبيه بري في البيت "عاطلاً عن العمل"، بانتظار تفاهم يبدو من سابع المستحيلات. ولهذا يفضل الثنائي الشيعي ترك المشاورات السياسية تأخذ مداها بين القوى المعنية، ولكن في حال العجز عن صناعة المعجزة، فتترك الأمور لواقعها الدستوري وفق المواعيد المحددة بحسب القانون القائم... على علاته، وعلى قاعدة "لا حول ولا قوة".
وهناك من يعتقد أنّها الفرصة الذهبية أمام "حزب الله" لفرض النظام النسبي بدفع من رئيس لجمهورية الذي يضع كل ثقله بهذا الاتجاه، ولو أنّ "كبير وزرائه" جبران باسيل يسبح عكس تيار الرئيس ويفاوض على مختلط، ظاهره نسبي وباطنه أكثري بامتياز... ولكنها قد تكون اللحظة المناسبة لإعادة خلط أوراق التوازن اللبناني، بشقه الدستوري، عبر قانون الانتخابات. وإلا فإنه الشغور التشريعي الذي من شأنه أن يفتح أبواباً اعتقد "تيار المستقبل" أنه أوصدها بإحكام حين أتى بالجنرال رئيساً للجمهورية، وحمى بذلك اتفاق الطائف من "شظايا" التحولات الاقليمية.
هكذا، يمكن القول إنّ هناك حصانين يجران عربة الاستحقاق. الأول باتجاه فرضه بالأطر القانونية كأمر واقع. وها هي وزارة الداخلية تنشر القوائم الانتخابية وتوزعها على المختارين من أجل تصحيحها خلال مهلة شهرين، كما ينصّ القانون النافذ... والثاني يأخذها باتجاه فرض قانون جديد للانتخابات، تحت عنوان "الآتي أعظم".