في عيده، نسأله عن أحواله. في زمن التكنولوجيا وناطحات السحاب وهيمنة المال وآلام الرقبة وتفوّق أخبار الطقس والإرهاب والهجرة ولوحات الـ LED الإعلانية، نستصرحه.
...كيف أصبحت يا حبّ؟
تزدحم الإجابات وتتوه في موجات الضباب. الحبّ لا يُفسّر، وتراه لا يستلطف كثيراً البوح عن مكنوناته. كأنثى مكابرة وجميلة، يفضّل أن يوصَف لا أن يوصِف، مستسيغاً التناقضات والمبالغات.
اذاً، فلنبحث في القصائد ودفاتر الشعراء ونبدأ المقارنات. جيلنا يعرف ويحبّ شاعرين: نزار قباني ومحمود درويش، فلم العودة الى زمن أفلاطون وروميو ولم البحث في كرّاسات الشعر عند العرب؟!
يسأل قباني في "يوميات": "لماذا لا يكون الحب في الدنيا لكل الناس... كل الناس... مثل أشعة الفجر؟ لماذا لا يكون الحب في الدنيا مثل الماء في النهر؟ ومثل الغيم والأمطار والأعشاب والزهر؟ أليس الحب للإنسان عمراً داخل العمر؟".
وهل الحبّ في زمننا لكلّ الناس؟ يبدو بعض علاقاتنا به على غير ما يُرام. في كثير من الأحيان، نطارد الحبّ إلى أن نرديه باسم الطائفة. أو بقوة العشيرة. أو بسلطة الأبوّة. أو بهوية الجنسية أو بقواعد مجتمعة. لهذا وأكثر، ثمة من لا يعيش إلا عمراً واحداً، ومن دون رونق...
"أحلى الأقدار"، على ما وصفه قباني، ما زال قدراً. لكنه ليس جميلاً. نصرّ أن نترك النساء بين مخالب "الحبيب" لأنه "نصيبها وقدرها"، ونظلّ مصدقين بأن الحبّ يعود بعد تهشيم الرأس والنفس. عبثاً تقنعنا كوكب الشرق أم كلثوم حين تسأل "حب ايه اللي انت جاي تقول عليه"!
"لا حبّ – تقول – لأن لا حبّ يشبه حباً، ولا تعريف لقوة الجاذبية التي تخلع الكائن من كيانه، فلا يسأل عن ذاته وقد اغتربت، وعن حريّته وقد اقتربت من عبودية مختارة: أنا لك". التوصيف لدرويش، والتنفيذ لنا! هكذا، نعيش بعض حيواتنا بحبّ لا نفهمه ولا نقدر على تطويعه. ويحصل كثيراً أن نُعاقب، هكذا ببساطة، لأن مجتمعاتنا تحبّ التبريرات والاثباتات والجدوى.
يقول درويش أيضاً: "لا أتذكر قلبي إلّا إذا شقه الحب نصفين أو جف من عطش الحب". وما زالت القلوب في زمننا معرّضة للخطر، كأن يطالعنا إعلان ترويجي لبنادق صيد بشعار "خردقت قلبي". هكذا، بين الأشعار والشعارات، يطلع علينا الحبّ بأشكال مختلفة. سوف يكون "مثل الموت والولادة، صعبٌ بأن يعاد مرتين" (نزار قباني)، وقد يكون قطعة جيلاتين حمراء تسوّق لماركة شهيرة.
والحبّ الذي علّم قباني أن يفتح فنجانه في الليلة آلاف المرّات وأن يطرق باب العرّافات، صار مكشوفاً على "السوشيل ميديا". أما البصارات فما عدنّ يتكلمن إلا في السياسة ومصائر الأنظمة. هنا، على "الحيطان" القائمة في هواتفنا وشاشاتنا، قبلة في وجه اصفر صغير تختصر المشاعر.
"سيلفي" توّثق، و"سناب شات" يحوّل الحبيبين مخلوقين غريبين تحيطهما ورود ونجوم. وفي الكتب، ما يزال القباني يرددّ "على محيط خصرها تجتمع العصور وألف ألف كوكب يدور"!
وحال الحبّ في زمننا، حفلة صاخبة مُكلفة. لكنه أيضاً اجتماع مصغّر على شرفة يعاندها الباطون المسلّح، واقتباس من "نزار":"عندما أشرب القهوة معك أشعر أن شجرة البن الأولى زرعت من أجلنا".
على شرفة أخرى، يصدح درويش: "كمقهى صغير على شارع الغرباء هو الحبّ... يفتح أَبوابه للجميع. كمقهى يزيد وينقص وَفْق المناخ: إذا هَطَلَ المطر ازداد روَّاده، وإذا اعتدل الجوّ قَلّوا ومَلّوا..."
وحال الحبّ في زمننا، سهرة على "فالانتاين". أو رحلة بالطائرة و"أنتِ مسافرةٌ في دمي"، نردد بعد قباني. أو اقتباس من درويش "الحب هو أن لا أعزلك عن العالم.. الحب هو أن أتركك بالزحام.. وأعلم تماماً أن قلبك لي".
هو "كذبتنا الصادقة"، وهو "عاطفة تسخن وتبرد وتأتي وتذهب".
"والحبّ في الأرض بعض من تخيّلنا لو لم نجده عليها لاخترعناه".
كيف حالك يا حبّ في زمننا؟! حسناً، أنت بخير ما دمت موجوداً بكلّ اشكالك، وما اخترعناك..