التقيت بالأمس الأمين العام للمدارس الكاثوليكية الأب الصديق بطرس عازار، الذي ذكّرني بيوم الزلزال، منذ اثنتي عشرة سنة.
كنا نتحادث في أمور عدّة، ومن بينها شؤون ثقافية وتربوية، حين دوّى إنفجار، حسبناه بالقرب منّا، وكنا في أحد مكاتب وزارة الإعلام في الصنائع، لشدّة عصفه.
مرّت دقائق من الذهول، وكانت بمثابة دهر. وقبل أن يتصل بي أحد مندوبي "الوكالة الوطنية" ليبلغني بالنبأ الفاجعة، كثرت التكهنات والتخمينات، ولكن لم يخطر بالبال، ولو للحظة، أن يد الإجرام أستطاعت أن تنال من الرئيس رفيق الحريري، وهو الذي كان يحتاط كثيرًا في تنقلاته.
لم نستوعب للوهلة الأولى حجم الخسارة التي مني بها لبنان، لأننا كنا مربكين ومحبطين ومنشدّين إلى شاشات التلفزة لمتابعة جديد هذا الزلزال وما خلفّه من خسائر فادحة في الأرواح والممتلكات.
لم ندرك، ونحن في وسط هذا الجحيم، معنى هذه الجريمة الموصوفة، لأننا ربما لم نكن نريد أن نصدّق أن رفيق الحريري لم يعد موجودًا بيننا، تمامًا كما لم نصدّق أن يد الغدر استطاعت أن تنال من الرئيس بشير الجميل والرئيس رينيه معوض والزعيم كمال جنبلاط والمفتي حسن خالد، وإخفاء الإمام موسى الصدر وغيرهم من الشهداء، الذين سقطوا ما قبل 14 شباط 2005، وما بعده.
ومع كل إغتيال كان تغيير لمسار، وكان أستهداف لمسيرة إستعادة الدولة، من خلال إستهداف بعض رموزها، لدورها التوحيدي لوطن تمزقه المؤامرات والإستهدافات والمشاريع التقسيمية والفتنوية، وتتربص به يد الشرّ والغدر والإرهاب الزاحف إليه من بوابته الجنوبية، أو من وراء الحدود، فكانت إعتداءات العدو في صيف الـ 2006 تكملة لحلقة المؤامرات.
فمنذ 2005 وحتى اليوم لا يزال لبنان يعيش مفاعيل تردّدات هذا الزلزال، مع ما شهده من تطورات على مستوى المنطقة، وما كان لها من تأثير مباشر على مسيرة إستعادته لعافيته، وما نتج عن وجود ما يقارب مليون ونصف مليون نازح سوري على أراضيه من أزمات تفوق إمكاناته المحدودة.
في عيد الحب غُيّب من جعل من محور حياته مسيرة حبّ لوطنه، وكأن من قصد إغتياله في هذا اليوم بالذات أراد أن يحّل البغض والكراهية مكان الحب والحياة النابضة بالحيوية والإخاء، فكان إصرار من قبل أهله على مواصلة مسيرة الحب، على رغم الحزن الكبير، فانتصرت إرادة الخير على جرثومة الشرّ، ولو أن هذه المعركة طويلة، وبالأخص على الساحة التي يعتبرها البعض حقل تجارب لإختباراتهم المدمرة، خصوصًا أن الهدف المباشر لها هو ما يميز لبنان كواحة لعيش فريد مشترك بين جميع أبنائه.