لعلّ الحبّ وحده، لا أكثر ولا أقلّ، هو الذي شكّل قوّة الدفع اللازمة لنزول مئات الأكراد عشيّة عيد العشّاق إلى ساحة رياض الصلح في وسط بيروت من أجل التعبير عن حبّهم لقائدهم التاريخيّ عبد الله أوجلان، ولا سيّما أنّ المسيرة النضاليّة لهذا الرجل، وبغضّ النظر عمّا إذا البعض في الوطن العربيّ يُطرب لسماع إيقاع تفاصيلها أو لا يُطرب، أوشكت على أن تجسّده رمزًا للعصر الكرديّ الحديث، ليس بالضرورة لأنّه أمضى السنوات الثمانية عشرة الأخيرة، منذ الخامس عشر من شهر شباط عام 1999 ولغاية يومنا الراهن، أسيرًا داخل السجون التركيّة، وإنّما لأنّ ظروف إبعاده من سوريا في عهد الرئيس الراحل حافظ الأسد، علاوةً على طريقة إلقاء القبض عليه في العاصمة الكينيّة نيروبي نتيجةَ تنسيقٍ أمنيٍّ أميركيٍّ – إسرائيليٍّ – تركيٍّ مشتركٍ، دلّت في مجملها على هشاشة "الشعارات البرّاقة" التي درجت العادة على أن يرفعها المجتمع الدوليّ لدى الدعوة إلى المحافظة على النظم القيميّة العالميّة ومبادىء الحرّيّات الإنسانيّة، وخصوصًا إذا أخذنا في الاعتبار أنّ نظرةً واحدةً بالعين المجرّدة، وبتجرّد، إلى المحطّات التاريخيّة التي مرّت بها القضيّة الكرديّة على مرّ الزمان، لا بدّ من أن تكون كافيةً لإقناع الرائي بأنّ الآمال التي خفقت لها قلوب أبناء هذا الشعب على طريق تحقيق حلم بناء وطنهم القوميّ، لم تكن أكثر أو أقلّ من جلجلةٍ حقيقيّةٍ بكلّ ما في الكلمة من معنى، سالت على درب آلامها دماء كثيرة ودموع أكثر، من دون أن تؤدّي هذه التضحيات في أيّ يومٍ من الأيّام إلى الحدّ من عزيمة التوّاقين إلى غاية الحلم ومشتهاه على المضيّ قُدماً إلى الأمام، فظلّوا بذلك يُسكِنون جموحهم في جروحهم، ويسيرون.. ويسيلون.
وإذا كان اثنان لا يختلفان على أنّ لا أحد يمكن أن يدرك سرّ هذا "الوجع المقدّس" أكثر من أمّةٍ شاءت لها أقدارها أن يتحوّل أبناؤها إلى جماعاتٍ مشتّتةٍ تتوزّع على امتداد المساحات الجغرافيّة لهذا البلد أو ذاك، سواءٌ كان "صديقًا" أم "شقيقًا"، وفقًا للمفهوم العروبيّ المستحدث للصداقة والأخوّة في تاريخنا المعاصر، فإنّ فتح البازارات العربيّة للمضاربة في أسهم القضيّة الكرديّة، وبأجهزةِ تحكُّمٍ عن بُعدٍ بقيت على الدوام مرهونةً بمشيئةِ نزواتِ الدول الكبرى ونَهَمِ مصالحها، غالبًا ما تسبَّب في رفع معاناة أبناء هذا الشعب إلى درجاتٍ لا تُطاق، تمامًا مثلما تسبّب أيضًا في إجبارهم على دفع ضريبة تلك النزوات والمصالح غاليًا جدًّا من حياتهم وأمنهم وديارهم ورزقهم وحاضرهم ومستقبلهم، على غرار كلّ ما سجّله التاريخ في السابق من أحداثٍ تتعلّق بمعاناة أبناء الشعب الفلسطينيّ، الأمر الذي كان من شأن تجلّياته المأساويّة أن تؤدّي بشكلٍ تلقائيّ إلى إلزام المجتمع الدوليّ بإدراج القضيّتين الفلسطينيّة والكرديّة في خانة أهمّ القضايا الشرق أوسطيّة التي تستوجب الحلّ، لو كان هذا المجتمع الدوليّ عادلًا في الأصل.
على هذا الأساس، يأتي التحرّك الذي نظّمه الأكراد يوم أوّل من أمس الأحد في وسط بيروت للتأكيد على صوابيّة منطق التاريخ الذي يحتّم على كافّة الحركات والتيّارات النضاليّة في مختلف أنحاء العالم السير على دروبٍ شاقّةٍ ووعرةٍ ومضنيةٍ، طالما أنّ هذه الدروب ستؤدّي في نهاية المطاف إلى تحقيق أهدافها في مجالات التنعّم بالحرّية ونيل الاستقلال والمحافظة على الهويّات الوطنيّة والقوميّة للشعوب والأمم، ولا سيّما أنّ التجربة الكفاحيّة الكرديّة بقيت رائدةً على الدوام بكلّ ما في الكلمة من معنى، ولدرجةٍ أثبتت في الكثير من المناسبات أنّها كانت مصدر إلهامٍ للعديد من الشعوب والأمم، ولا تزال.
وفي هذا السياق، لا بدّ لي من الإشارة هنا إلى ذلك اليوم البعيد الذي عادت بي ذاكرتي إليه لدى متابعتي وقائع التحرّك الكرديّ الأخير في ساحة رياض الصلح، وذلك عندما وردتني الأنباء الأوليّة عن تمكُّن عملاء وكالة المخابرات الوطنيّة التركيّة بالتعاون مع عملاء وكالة المخابرات المركزيّة الأميركيّة وجهاز الموساد الإسرائيليّ من اعتقال زعيم حزب العمّال الكردستانيّ عبد الله أوجلان في العاصمة الكينيّة نيروبي أثناء تنقّله هناك بجوازِ سفرٍ يونانيٍّ باسم لازاروس مافروس.
حدث ذلك يوم الخامس عشر من شهر شباط عام 1999، بينما كنتُ منهمكًا بإعداد تقريرٍ إخباريٍّ عاجلٍ داخل غرفة أخبار قناة الجزيرة الفضائيّة في الدوحة، فما كان منّي إلّا أن وضعتُ عملي جانبًا، وسارعتُ إلى الاتّصال هاتفيًّا مع صديقي الصحافيّ اليونانيّ لازاروس مافروس المقيم في العاصمة القبرصيّة نيقوسيا لأستفسر منه عن سرّ تشابه الأسماء، حيث أبلغتني زوجته ماريا يومذاك، بكلّ فخرٍ واعتزازٍ، أنّ لازاروس كان قد أهدى، بفخرٍ واعتزازٍ أيضًا، جواز سفره إلى عبد الله أوجلان، وذلك في خطوةٍ تضامنيّةٍ يونانيّةٍ مع الشعب الكرديّ وقضيّته العادلة.
خطوةٌ.. لعلّ أكثر ما يستوجب التوقّف عنده لدى استحضار ذكراها، يتمثّل في أنّني عندما التقيت مع لازاروس وماريا في الشهر التالي في نيقوسيا، وجهًا لوجه، قبيل توجّهي من هناك إلى بلغراد لتغطية وقائع الحملة العسكريّة الأميركيّة – الأطلسيّة على يوغسلافيا، كانت سمات الفخر والاعتزاز ما زالت مرسومةً على وجهيهما، وهي نفس السمات التي ترتسم للتوّ على وجهي بينما أكتب هذه السطور.
وإذا كان ما تقدّم لا يستهدف بالضرورة التذكير بأنّ الأكراد عانوا كثيرًا خلال تاريخهم الحديث من مؤامراتٍ وفتنٍ غالبًا ما كانت تُطبَخ على نار المشاريع الدوليّة التي ما زالت تستهدف المنطقة برمّتها إلى يومنا الراهن، تحت شعاراتٍ ومسمّياتٍ مختلفةٍ مثل "الشرق الأوسط الجديد" أو "الشرق الأوسط المختلِف"، فإنّ خلاصة القول فيه، تتمثّل في أنّ كافّة تلك المؤامرات والفتن لم تؤثِّر يومًا على عزيمتهم في مجال التصدّي لها.. وما استبسالهم، رجالًا ونساءً، في المعارك التي يخوضونها ضدّ إرهاب تنظيم "داعش" ومشتقّاته الظلاميّة، سواءٌ في سوريا أم في العراق، إلّا أكبر تأكيدٍ على هذا الكلام.. ويا ليت الزمان الدوليّ والإقليميّ الراهن يأتي إلينا بـ "لازاروس مافروس" جديدٍ لكي يعلّمنا أصول محاربة الإرهاب وكيفيّة إلحاق الهزيمة به.. ويا ليتنا نعود بالتالي إلى زمان محاربة إرهاب الفجور.. والقصور!
(جمال دملج - كاتب متخصّص في الشؤون الروسيّة)