لماذا نشرت أفلام تعذيب عدد من الموقوفين في سجن روميه، وهل أن تصفية حسابات بين وزيرين تقتضي وضع لبنان في أتون الخطر، أم هي ساعة صفر متفق عليها فجاءت الأفلام لتبرر التطور الخطير، ووقف أي أجندة كان يُحضّر لهذا الظهور، وهل المطلوب أن يكون صيف لبنان ساخناً انطلاقاً من عاصمة الشمال؟
كثيرة هي الأسئلة التي يستتبعها عرض شريط تعذيب الموقوفين في رومية، وثمة من يقول أن مثل هذه الحادثة خطيرة في أبعادها، وانها قد تكون أكبر من صراع بين وزيرين، بل هي محاولة للعب على وتر الوضع الأمني الداخلي لأهداف بعيدة، إذ ليس مصادفة أن يتم هذا التسريب بالشكل والتوقيت الذي شهدناه من دون أن تكون ثمة رسالة لها أبعاد تريد ادخال لبنان في أتون النار للابتزاز في ملفات اخرى.
رأي آخر يصر على ربط ما حصل بالتصادم غير المعلن والمواجهة الخفية بين وزيري العدل اشرف ريفي والداخلية نهاد المشنوق من باب ان لكل منهما حساباته الشخصية، وكل منهما يسابق الآخر في أن يكون الأقرب الى "الشيخ" ويبحث عن فولات للآخر. وكلا الرجلين محكوم بأمرين: أن يكون الاقوى في "التيار" والأقرب الى صانع القرار ورئاسة الحكومة، غير ان تعادلهما هنا سلبي، بمعنى أن الأصيل يريد هذه المرة ان يكون هو رئيس الحكومة.
وبعيداً عن التفسيرات قد يكون وزير الداخلية نهاد المشنوق وحده ملماً بحقيقة ما جرى، وهو الذي آثر عدم الخوض علانية في ملابسات المسألة سياسياً، لكنه بالتأكيد يدرك جيداً مضمون الرسالة التي وصلته من خلال تسريب فيديو التعذيب، مع كل تردداته والتي لم تكن طبيعية. وقد حصل استغلال سياسي بتوقيت غير بريء ترافق مع حالة احتجاج شعبية تعاطفية يمكن تفهمها.
استوعب وزير الداخلية الأمر وتمكن بنجاح من محاصرة التداعيات والالتفاف على ما حصل، لكن إذا كان رئيس تيار "المستقبل" سعد الحريري تمكن مجدداً من تطويق ذيول خلاف داخل تياره، مدفون تحت رماد التراكمات، فان ثمة من يهمس ولو عن سوء نية بأن العقل المدبر لم يكن ليجرؤ على الفعل لولا "قبة باط" من مرجعيته.