الذين ظنّوا أن مسيرة العهد ستكون مفروشة بالورود المنزوعة أشواكها أعادوا حسابات البيدر بعدما تأكدوا أنها لم تكن متطابقة مع حسابات الحقل، خصوصًا أن ثمة فارقًا شاسعًا بين الواقع والتمنّيات، وبين الحقيقة والأحلام.
ومع مرور الوقت وتساقط أوراق المهل الدستورية، الواحدة تلو الأخرى، وبدلًا من أن تسجل خطوات متقدمة على طريق إقرار قانون جديد للإنتخابات، يكون معبّرًا، ولو بحدود دنيا، عن أوسع شريحة من اللبنانيين، وهم الذين حسموا خياراتهم بالنسبة إلى أمرين: دفن قانون الستين وإقامة حراس على قبره، ونفي التمديد إلى غير رجعة، نرى أن التعقيدات بدأت تدخل مرحلة الإستنساخ، بمعنى أن العقدة الواحدة تستولد عقدة ثانية، والثانية ثالثة... وهكذا دواليك، حتى بتنا ننتظر مع إشراقة شمس كل يوم جديد أزمة تزيد الأمور تعقيدًا ولا تدفع في إتجاه الحلحلة.
ولأن لكل موقف ثمنًا سياسيًا، أصبحت ساحة القانون العتيد للإنتخابات المكان المناسب لتصفية الحسابات السياسية، التي تبدو غير مستقرّة على وضعية ثابتة، بل تتحرك بالمفرق والجملة وفق ما تمليه الظروف التي تترافق مع ما يُعدّ في الكواليس من خطوات تتناغم مع المسرى الإقليمي، وما تقتضيه قوانين اللعبة من وضع العصي في دواليب أي إمكانية حل ما، سواء على جبهة القانون الإنتخابي، أو على جبهة الموازنة العامة، أو من خلال تحريك بعض الملفات التي يمكن أن تؤثر تفاعلاتها على الوضع العام وعلى مسيرة العهد، ومن بينها ملف مخيم عين الحلوة، والتلويح الإسرائيلي بإمكانية إعادة فتح البوابة الجنوبية.
وفي بعض التصريحات التي يُطلقها من حين لآخر بعض أقطاب السياسة اللبنانية، وهم عادة قارئون جيدّون في كتاب المتغيرات الإقليمية، ما يوحي بأن السقف المسموح به لبنانيًا هو ما شهدته الساحة اللبنانية في الآونة الأخيرة من تطورات إيجابية تمثلت بإنتخاب العماد ميشال عون رئيسًا للجمهورية، وتولي الرئيس سعد الحريري حكومة "إستعادة الثقة"، وهذا ما سمحت به التفاهمات الإقليمية كما كشف عنها وزير الخارجية الإيرانية.
وفي إعتقاد بعض المتعاطين بالشأن السياسي أن ما سُمح به لبنانيًا لم يتجاوز خطوط التماس بين الرياض وطهران، وأن ما ظنّه البعض تعبيدًا لطريق كان حتى الأمس القريب محفوفًا بالمخاطر لكثرة الألغام التي وضعت على جوانبه، ليس سوى نقطة في بحر ما هو مطلوب لكي تستعيد الدولة هيبتها وتضع يدها على كل الملفات العالقة.
إلاّ أن ذلك لا يعني، وفق هؤلاء المتعاطين والمطلعين، أن الأمور آيلة إلى حالة مأسوية وإلى الطريق المسدود، على رغم الصعوبة التي تواجهها مساعي الخروج من المستنقع ومن الرمال المتحركة، بإعتبار أن من كان وراء تحريك ملفي الرئاسة والحكومة لن يسمح بأن تشهد المرحلة المقبلة المزيد من التقهقر والعودة بعقارب الساعة إلى الوراء، وإن كان الإهتمام ينصّب على عدم مفاقمة إشكالية العلاقة بين الرئاسات الثلاث، وبالأخص بين الرئاستين الأولى والثانية، على خلفية وضع مشروع الفراغ في السلطة التشريعية في إدراج النسيان، وهذا ما أوحى به الكلام الأخير لرئيس مجلس النواب الذي أكد أن لا قيمة لرئاستي الجمهورية والحكومة من دون مجلس النواب. وفي هذا الموقف الكثير من المعاني السياسية، وهي التي أتت عقب زيارة قام بها بري لطهران.